الاهداءات

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 23

الموضوع: الدرس : {.2.}... الميراث عند الأمم الأخرى ..

  1. #1
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,430

    الدرس : {.2.}... الميراث عند الأمم الأخرى ..

    نظرة على ميراث الأمم قبل الإسلام ، وفي بعض المجتمعات المعاصرة .

    إن من المفيد للباحث المسلم ، أن يلقي نظرةً على ما كان عليه ميراث الأمم قبل الإسلام ، ليتبين له مدى عظمة الإسلام ودقته وعدالته ، ذلك لأنه من لدن حكيم خبير، خالق الخلق ، العالم بما يناسب فطرتهم من الأحكام والتشريعات .
    وانه ما من ملة أو مبدأ أو قانون شرقياً كان أم غربياً ، انصف المرأة ، ورفع قدرها على النحو الذي يضمن حقها، ويفرض احترامها ويحفظ كرامتها ويتناسب مع فطرتها وتركيبها الجسمي والوظيفي كما انصفها الإسلام .

    أولاً : الميراث عند اليهود.

    ميراث المرأة عند اليهود


    يتميز نظام الميراث عند اليهود بحرمان الإناث من الميراث ، سواء كانت أماً أو أختاً أو ابنة أو غير ذلك إلا عند فقد الذكور ، فلا ترث البنت مثلاً إلا في حال انعدام الابن .
    فقد جاء في الإصحاح السابع والعشرون من سفر العدد أن بنات صلفحاد بن حافز وقفن أمام موسى واليعازار الكاهن وأمام الرؤساء ، وكل الجماعة لدى باب خيمة الاجتماع ، قائلات :أبونا مات في البرية ، ولم يكن في القوم الذين اجتمعوا على الرب في جماعة قورح بل بخطيئتة مات ، ولم يكن له بنون .
    لماذا يحذف اسم ابينا من بين عشيرته لأنه ليس له ابن .
    اعطنا ملكاً بين إخوة ابينا ، فقدم موسى دعواهن أمام الرب ، فكلم الرب موسى قائلا : بحق تكلمت بنات صلفحاد ، فتعطيهن ملك نصيب بين أخوة أبيهن ، وتنقل نصيب أبيهن إليهن ..... الخ .
    وتكلم نبي اسرائيل قائلاً : أيما رجل مات وليس له ابن تنقلون ملكه الى ابنته . أما الزوجة فلا ترث من زوجها شيئاً مطلقاً .

    ثانياً : الميراث عند الرومان .

    ميراث المرأة عند الرومان

    إن المرأة عند الرومان كانت تساوي الرجل فيما تأخذه من التركة مهما كانت درجتها ، أما الزوجة ، فلم تكن ترث من زوجها المتوفى ، فالزوجية عندهم لم تكن سبباً من أسباب الإرث ، حتى لا ينتقل الميراث إلى أسرة أخرى ، إذ كان الميراث عندهم يقوم على استبقاء الثروة في العائلات وحفظها من التفتت ، ولو ماتت الأم فميراثها الذي ورثته من أبيها يعود إلى أخوتها ، ولا يرثها أبناؤها ولو ترك الميت أولاداً ذكوراً وإناثاً ، ورثوه بالتساوي ، يشاركهم في ذلك أولاد البنت أو الابن الذين مات والدهم أو أمهم ولو مات في حياة المورث ، فيأخذون ما كان يأخذه أبوهم لو كان حياً .
    ثالثاً: الميراث عند الأمم السامية أو الأمم الشرقية القديمة .

    الميراث عند الأمم السامية

    ونعني بهم الطورانيين والكلدانيين والسريانيين والفنيقيين والسوريين والأشوريين واليونانيين وغيرهم ممن سكن الشرق بعد الطوفان الذي كانت أحداثه جارية قبل ميلاد المسيح عليه السلام فقد كان الميراث عندهم يقوم على إحلال الابن الأكبر محل أبيه ، فإن لم يكن موجوداً فأرشد الذكور ، ثم الأخوة ثم الأعمام .... وهكذا إلى أن يدخل الأصهار وسائر العشيرة وتميز نظام الميراث عندهم فضلاً عما ذكرنا بحرمان النساء والأطفال من الميراث .
    رابعاً: الميراث عند قدماء المصريين.

    الميراث عند قدماء المصريين

    أما المصريون القدماء ، فقد بينت الآثار المصرية ، أن نظام الميراث عندهم كان يجمع بين كل قرابة الميت ...
    من آباء وأمهات ، وأبناء وبنات ، وأخوة وأخوات ، وأعمام، وأخوال وخالات ، وزوجة ، فكلهم يتقاسمون التركة بالتساوي لا فرق بين كبير وصغير ولا بين ذكر وأنثى .

    خامساً: الميراث عند العرب في الجاهلية .


    الميراث عند العرب في الجاهلية


    نستطيع القول ،إن العرب في الجاهلية ، لم يكن لهم نظام ارث مستقل أو خاص بهم ،إنما ساروا على نهج الأمم الشرقية .
    فالميراث عندهم خاص بالذكور القادرين على حمل السلاح والذود عن الديار دون النساء والأطفال ، ذلك لأنهم أهل غارا ت وحروب ، بل أكثر من ذلك كانوا يرثون النساء كرها ، بأن يأتي الوارث ،ويلقي ثوبه على أرملة أبيه ثم يقول : ورثتها كما ورثت مال أبي .

    فإذا أراد أن يتزوجها تزوجها بدون مهر ،أو زوجها من أراد ، وتسلم مهرها ممن يتزوجها أو حجر عليها لا يزوجها ولا يتزوجها .
    فمنعت الشريعة الإسلامية هذا الظلم حين نزل قوله تعالى : "" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) النساء: ١٩.
    وفي حالات قليلة كان منهم من يورث الإناث ويسويهن بالذكور في النصيب كما هو الحال عند قدماء المصريين والرومانيين.
    ومنهم من يحجب البنات بالأبناء وأبناء الأبناء ، ويحجب الأصول والحواشي بالبنات وأولادهن .
    كانت أسباب الميراث عند العرب في الجاهلية أربعة وهي :
    1- النسب : وهو خاص بالرجال الذين يركبون الخيل ، ويقاتلون الأعداء ، ويأخذون الغنائم ، فلا يرث الصغار من الذكور ، ولا النساء مطلقاً كباراً وصغاراً .
    وحرمان النساء مطلقاً ، والصغار من الذكور من الميراث في الجاهلية ، عدوه أمراً يتفق مع نسق حياتهم الاجتماعية من تحقيرهم للمرأة ، والانتقاص من قدرها ، وحرمانها من حقوقها ، كما عدوا هذا الحرمان أمراً يتناسب وطرائق اكتساب المال والثروات ، لأن أهم طرق اكتساب المال عندهم كان في الغارات ، والقتال ، وحيازة الغنائم ، وهذا الأمر لا يقوي عليه إلا البالغون من الرجال .
    2-التبني : إن اتخاذ العرب في الجاهلية التبني سبباً من أسباب الميراث يتفق وينسجم مع نظرتهم للمال ، وطرق كسبه ، كما يتفق أيضاً مع حياتهم الاجتماعية والسياسية ، فقد كان المتبني نصيراً لمن يتبناه ، معيناً له إذا تاجر أو حارب ، وما دام أن المتبنى صار وعُدّ ابناً للمُتبني كان له حق أن يرثه .
    3- الحلف والعهد : كان الرجل في مجتمع ما قبل الإسلام يعاهد الرجل فيقول : « دمي دمك، وهدمي هدمك، ترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك ». فكانوا إذا تعاهد رجلان على ذلك ، فمات أحدهما قبل الآخر كان للحي ما اشترط من مال صاحبه الميت .
    4- العضل : وهو أن يرث الابن زوجة أبيه بعد موته - موت الأب - باعتبارها جزء من التركة ، فكان إذا مات الرجل وكانت له زوجة ، جاء ابنه من غير هذه الزوجة ، أو بعض أقاربه ، فصار له الحق بهذه الزوجة يرثُها كما يرث أموال الميت ، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلاّ الصداق الأول الذي أصدقها الميت ، وإن شاء زوجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها شيئاً منه ، وإن شاء ساومها على حريتها مقابل أن تترك له ما ورثته .


    سادساً : الميراث في القانون الفرنسي .

    أ : إن الذين يستحقون الإرث في هذا القانون أربع درجات.
    الدرجة الأولى : هم الورثة الشرعيون ونعني بذلك الأولاد من عقد النكاح الصحيح والأقارب.
    الدرجة الثانية : هم الأولاد من النكاح الفاسد والتسري .
    الدرجة الثالثة : وهم الزوجة والزوج .
    الدرجة الرابعة : وهو بيت المال ( الدولة ).
    ب : انه لايرث احد من الدرجة الثانية إلا عند فقد الدرجة الأولى وهكذا باقي الدرجات .
    جـ : إن الورثة الشرعيين يرثون عقب وفاة المورث دون توقف على حكم القضاء لهم بالإرث ،أما أولاد النكاح الفاسد والزوج والزوجة فلا يرثون إلا بعد حكم القضاء لهم بالإرث .
    د : إن الورثة من الأقارب ثلاثة أصناف هم( الفروع) ثم (الأصول) ثم(الحواشي).
    أما الفروع فيرثون الأباء والأمهات والجدود والجدات وغيرهم من الأصول للأنثى مثل حظ الذكر وللمتأخر في الولادة مثل ما للسابق ، ومن يموت من الأولاد قبل مورثه يحل بنوه أو حفدته محله بنصيبه فقط
    .
    وبمقارنة سريعة بين نظام الإسلام في التوريث وبين الشرائع والأنظمة القديمة والحديثة نجد :
    1- أن الذي تولى أمر تقسيم التركات في الإسلام هو الله تعالى وليس البشر ، فكانت بذلك من النظام والدقة والعدالة في التوزيع ما يستحيل على البشر أن يهتدوا إليه لولا أن هداهم الله .
    2- أن الإسلام نظر إلى الحاجة فأعطى الأكثر احتياجا نصيباً أكبر من الأقل احتياجا ولذلك كان حظ الأبناء أكبر من حظ الآباء ، لأن الأبناء مقبلون على الحياة والآباء مدبرون عنها ؛ولذلك كان للذكرمثل حظ الانثيين في معظم الأحيان فلا شك أن الابن الذي سيصير زوجاً باذلا لمهر زوجته ، منفقا عليها وعلى أولاده منها أكثر احتياجا من أخته التي ستصير زوجة تقبض مهرها ، ويرعاها وينفق عليها زوجها .
    3- إن الإسلام قد حصر الإرث في المال ولم يتعداه إلى الزوجة كما كان في الجاهلية ، بل كرم رابطة الزوجية ، وجعل مابين الزوجين من مودة ورحمة حال الحياة سبباً للتوارث عند الوفاة ، فلم يهملها كمافعلت بعض الشرائع.
    4- كما نلاحظ أن الإسلام لم يهمل حق القرابة كسبب من أسباب التوارث كما فعل القانون الروماني واليوناني بل أعتبر أن قرابة الرجل من الروابط الوثيقة بينه وبين أسرته.
    5- أن حق الملكية الفردية و اعتبارها سبباً للتوارث بين الناس من الأمور التي أقرها الإسلام بخلاف ما ذهبت إليه الاشتراكية حيث أنكرت الإرث بين الناس.
    6-إن مبدأ المساواة المطلقة بين الذكور والإناث في الميراث كما هو الحال في القانونين الفرنسي والروماني مبدأ يرفضه الإسلام تجسيداً لمطلب العدل والتوازن الاجتماعي.
    7- أما المساواة بين الأقارب في القانون المصري القديم فأمر يرفضه الإسلام أيضاً لتعلق توارث الأقارب بمفهوم القرب والبعد من المورث .
    8- إيثار أرشد الذكور وتمييزه عن باقي أخوته في النصيب الإرثي مبدأ لم يقره الإسلام كما درجت عليه شرائع الأمم الشرقية القديمة والعرب في الجاهلية .
    9- ليس للابن كونه بكراً أية أفضلية على باقي الأبناء في الإسلام ، على النحو الذي ذهبت إليه الشريعة اليهودية ، حيث خصت البكر بنصيب اثنين من أخوته .
    10- قضت الشريعة الإسلامية ، بأنه ليس لأولاد الوارث (ابن الابن ، أو بنت الابن ) حق في مشاركة أبيهم بالإرث فهو بالمرتبة الأولى وهم في المرتبة الثانية فهو الجدير بالإرث وحده دونهم فلا يتجاوزون درجتهم ، بينما ذهب القانون الروماني والفرنسي الى توريث ابن الابن مع الابن ، وابن الأخ مع الأخ .
    11- لقد ضمن الإسلام حق مشاركة البنات للأبناء في الإرث من والدهن ولم يحجبهن بالأبناء كما ذهبت إليه الشريعة اليهودية ، قال تعالى: ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً ).
    12-كما وقفت الشريعة الإسلامية موقفاً مخالفاً للشريعة اليهودية في عدم حجب الأصول والحواشي بالبنات في الإرث .
    13- إن حجب الأخوة لأب بالأخوات لأبوين كما فعل القانون الروماني مسألة مرفوضة في الشريعة الإسلامية .
    14- إن الجدود والأخوة في حقهم في الإرث سواء لأنهم يتساوون مع الأخوة بالإدلاء بالأب بدرجة واحدة فهم لا يحجبون بالأخوة كما أقر القانون الفرنسي .
    15- الشريعة الإسلامية قضت بتوريث كل من الزوجين الآخر بشكل منتظم ولم يعلق توريثهما على حكم قضائي كما اشترط القانون الفرنسي .
    بهذا الاستعراض وهذه المقارنة يتبين لنا حقيقة ساطعة وهي أن نظام الإسلام في الميراث عامة وما يتعلق منه بالمرأة خاصةً هو النظام الوحيد الذي يوافق حركة السعي والنشاط في الجماعات البشرية ، ولا يعوقها عن التقدم الذي تستحقه بسعيها ونشاطها .. بل ويرجع إليه الفضل الكبير فيما بلغته من الحضارة والارتقاء .

    خصائص الميراث فى الشريعة الإسلامية ....
    1- نظام رباني : تحديد الله تعالى للورثة وأنصبتهم وشروط استحقاقهم لها .
    2- نظام شمولي : يشمل الإرث الرجال والنساء والأطفال والقادر والعاجز .
    3- نظام واقعي : حيث يأخذ بعين الاعتبار النسب و المصاهرة و قوة قرابة , و لا يضيع من يعول الأسرة.
    4- نظام عادل : لا يحرم الوارث من الإرث بسبب جنسه .
    5- نظام متوازن : يحترم خصائص المجتمع المسلم والأحكام المؤطرة له,ويترك للهالك حق التصرف في ثلث التركة , و يندب إلى الإنفاق على غير الوارث .

    وبذلك يتحقق مقاصد نظام الإرث ...
    .

    1- تحقيق مبدأ الاستخلاف في المال : بتكريس مبدأ كون المال مال الله وأن الإنسان مستخلف فيه .
    2- تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال : إعادة توزيع التركات على الأصول والفروع والحواشي للهالك .
    3- تفضيل بعض الورثة على بعضهم الآخر ومنع بعضهم من الإرث حسب القرب من الهالك.
    4- التحكم في تحديد الورثة وحقوقهم.
    5- إنعاش الدورة المالية وتسهيل تداول المال,من خلال تفتيت الثروات على رأس كل جيل ومنع تكديسها.
    التعديل الأخير تم بواسطة م . احمد ; 08-02-2013 الساعة 07:18 PM سبب آخر: تنسيق

  2. #2
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,430
    الميراث في الأمم السابقة

    1 - الميراث عند قدماء المصريين
    لقد عرفه قدماء المصريين حيث كانت الأرض بمصر ملكا للفراعنة ولم يملك الأهالي الأرض إلا في عهد الملك ( بخوريوس ) من ملوك الأسرة الرابعة والعشرين التي ملكت مصر سنة 731 قبل الميلاد.
    وكانت طريقة التوريث عندهم أن يحل أرشد الأسرة محل المتوفى في زراعة الأرض والانتفاع بها دون ملكيتها , وكانوا لا يفرقون بين الذكر والأنثى وقيل إن ميراث الأنثى كان أقل من ميراث الذكر وذلك باختيارها , كما كانوا يورثون الزوج والأم والإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات.


    2 - الميراث عند قدماء الرومان
    كان عبارة عن إقامة خليفة للمتوفى يختاره حال حياته من أبنائه أو من غيرهم بشرط موافقة القبيلة على هذا الاختيار , وفي سنة 543 م تغير الوضع وأصبحت القرابة قاعدة للميراث , وينحصر الإرث في فروع الميت ثم أصوله ثم الإخوة الأشقاء ونسلهم ثم الأخوات الشقيقات ونسلهن ثم الإخوة لأب ونسلهم ثم الأخوات لأب ونسلهن ثم الإخوة لأم ونسلهم ثم الأخوات لأم ونسلهن.
    وكل طبقة من هذه الطبقات يتساوى فيها الذكور والإناث في الميراث وإذا لم يترك المتوفى فروعا ولا أصولا ولا إخوة ولا أولاد إخوة يرثه قريبه البعيد , وإذا لم توجد له قرابة بعيدة كانت التركة لبيت المال , هذا ولم يكن للزوجين حق التوارث من بعضهما لعدم القرابة.


    3 - الميراث عند قدماء اليونان
    كان الميراث عند قدماء اليونان أقرب شبها بالميراث عند قدماء الرومان في إقامة خليفة للميت إلا أنهم ارتأوا أن هذه الوصية تحتاج إلى القضاء بصحتها خشية النزاع.
    وإذا مات الموصى أصبح الوصي رئيسا على الأسرة , يتصرف في أموالها وأفرادها كيف يشاء , يزوج من يشاء من بنات الأسرة , ويمنع زواج من يشاء منهن.


    4 - الميراث عند الأمم الشرقية القديمة
    المراد بالأمم الشرقية القديمة هم الكلدانيون والآرام والسريان والفينيقيون وغيرهم من فروعهم , وكان الميراث عندهم أن يحل البكر من الأولاد محل أبيه.
    وعند عدم وجود البكر يقوم مقامه أرشد الذكور من الأولاد ثم الإخوة ثم الأعمام وهكذا إلى أن يدخل الأصهار وسائر العشيرة , وكانوا يحرمون الأطفال والنساء من الميراث.


    5 - الميراث عند اليهود القدامى
    من المعروف أن اليهود يحبون المال حبا جما ويعتزون به إلى درجة الحرص على عدم ذهاب شيء من مال الميت منهم إلى غير أسرته نعني فروعه وأصوله , ومتى وجد أحد منهم مهما بعدت درجته في القرابة كان أحق بالمال حتى تحتفظ الأسرة بأموالها فيما بينها ومن أجل هذا كانوا لا يجعلون للأنثى حظا من ميراث الأب إذا كان له ولد ذكر سواء أكانت الأنثى أما أم زوجة أم بنتا أم أختا للمتوفى. وأسباب الميراث عندهم أربعة وهي البنوة والأبوة والإخوة والعمومة وإذا توفي الأب كان ميراثه لأبنائه الذكور ويكون للولد البكري مثل حظ اثنين من إخوته الأصغر سنا منه إلا إذا حدث اتفاق بين الإخوة على اقتسام الميراث بالسوية.
    وإذا ترك الأب المتوفى أولادا ذكورا وإناثا كانت التركة من حق الذكور وحدهم مع مراعاة أن يكون للبنات حق النفقة من التركة حتى تتزوج البنت أو تبلغ سن
    البلوغ كما يكون لها على إخوتها الذكور قيمة مهرها من التركة في حدود معينة.
    هذا والأم لا ترث ابنها ولا بنتها , وأما إذا ماتت الأم كان ميراثها لابنها إن وجد وإلا فلبنتها , فإن لم يكن لها ابن ولا بنت كان الميراث لأبيها إن كان موجودا وإلا فلجدها لأبيها.
    وكل ما تملكه الزوجة يؤول بموتها ميراثا شرعيا إلى زوجها وحده لا يشاركه فيه أقاربها.

    أما الزوجة فلا ترث زوجها ولكن لها الحق في أن تعيش من تركة زوجها الميت ولو كان قد أوصى بغير ذلك.
    وإذا لم يكن للميت فروع ولا أصول وكان له أقارب فالميراث بينهم بتفصيل معروف عندهم , وأما إذا لم يكن له وارث من فروع أو أصول أو حواشي كانت أمواله مباحة لأسبق الناس إلى حيازتها , وتكون وديعة عنده مدة ثلاث سنوات , فإذا لم يظهر وارث للميت في أثناء هذه المدة كانت ملكا لحائزها ملكا تاما.


    6 - الميراث عند المسيحيين
    أما الميراث عند المسيحيين فلم يتعرض له في الإنجيل لأن المسيح حينما أرسل قام يدعو إلى جلاء الإيمان الحقيقي والمحبة , وأعلن أنه لم يجيء لنقض الناموس اليهودي وإنما ليكمله.
    والديانة المسيحية تعنى بالجانب الروحي والأخلاقي , لذا اتبع المسيحيون القدامى في تنظيم مواريثهم ما كان يجري عليه العمل في شريعة اليهود وبعض ما جاء في القانون الروماني والشرائع الأخرى.


    7 - الميراث عند العرب في الجاهلية
    كان العرب في الجاهلية لا يورثون البنات ولا الزوجات ولا الأمهات ولا غيرهن من النساء , وإنما يرث الميت ابنه إذا كان بالغا أو الأخ الأكبر أو العم أو ابن العم , لأن سبب الإرث عندهم القدرة على حمل السيف , وحماية العشيرة , والذود عن القبيلة , ومقاتلة العدو لهذا كانوا يقصرون الميراث على الذكور الكبار.
    كما كانوا يورثون بسبب الحلف والتبني , فقد كان الرجل في الجاهلية يقول لصاحبه: دمي دمك , وهدمي هدمك , وترثني وأرثك , وتطلب بي وأطلب بك , فإذا تم هذا وأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال صاحبه الميت , كما يشير إلى قوله تعالى: ( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا ).
    كما كان الرجل منهم يتبنى ابن غيره , وإذا مات مدعي البنوة ورثه الابن المتبنى إذا كان بالغا , وقد أعتق النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وتبناه , واستمر ذلك برهة في صدر الإسلام ثم نسخ.

    8 - الميراث في القانون الفرنسي
    حددت المادة 731 من القانون الفرنسي أنواع الورثة بأربع فئات: فيأتي في الدرجة الأولى أولاد المتوفى ذكورا وإناثا , فنصت المادة 745 من القانون الفرنسي على ما يلي: يرث الأولاد وأبناؤهم والدهم ووالدتهم , جدهم وجداتهم دون أي تمييز بين الوارث الذكر والوارث الأنثى أي أن للذكر مثل حظ الأنثى في الميراث.

    ويأتي في الدرجة الثانية والد الميت ووالدته , إخوته وأخواته إلى قسمة التركة عند عدم وجود أولاد له ذكورا أو إناثا , فإذا توفي المورث تاركا أخا أو أختا, إخوة أو أخوات ورثوا التركة بكاملها , أما إذا توفي المورث تاركا أخا أو أختا , إخوة أو أخوات أو أبا وأما فالتركة تقسم إلى قسمين , في أخذ الإخوة والأخوات أو هما معا النصف ويأخذ الأب الربع وتأخذ الأم الربع الباقي.

    ثم يأتي في الدرجة الثالثة الأعمام والخالات وأبناء العمومة , إذ نصت المادة 754 على توريث الأعمام والخالات وأبناء العمومة في حال عدم وجود وارث شرعي غيرهم.

    ثم يأتي أخيرا وفي الدرجة الرابعة بقية الأقارب.
    إن القانون الفرنسي لم يورث الزوج أو الزوجة إلا في حالة عدم وجود الورثة المذكورين أعلاه على أن يعطى حق استثمار قسم من التركة عند وجود الورثة الشرعيين بنسبة تسمح له بالمحافظة على وضعه الاجتماعي الذي سبق وفاة المورث.

    أما الدولة فإنها لا ترث مال المتوفى إلا عند عدم وجود ورثة شرعيين وزوج المتوفى.

    ومن موانع الإرث في القانون الفرنسي قتل المورث أو محاولة قتله , ورميه بتهمة باطلة ومعرفة الوارث بمحاولة قتل مورثه , فيعتبر إذا غير جدير بالإرث.

    ويحرم من الميراث المحكوم عليه من قبل القضاء بقتل مورثه أو بمحاولة قتله , ومن رمى مورثه بتهم يكون من شأنها القضاء عليه وأخيرا معرفة الوارث البالغ بمحاولة اغتيال مورثه وعدم إخبار العدالة بذلك.

  3. #3
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,430
    عدالة نظام الإرث في الإسلام

    قضى الباري سبحانه وهو الحكيم العليم أن تتعدد الشرائع وتختلف مناهجها، طبقا لما يناسبها من نمط حياة، ونوع عيش، قال تعالى: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" المائدة 50.

    وتبعا لمبدأ الاختبار والابتلاء الذي قرره الله عز وجل على البشر جميعا من حيث اتباعهم قربا وبعدا من الشريعة التي أنزلها، كانت تبرز نوازع المخالفة لأحكام الشرع بالتمرد عليها أحيانا، أو تحريفها، وإحلال ما تمليه بواعث الهوى والضلال أحيانا أخرى، وهذا ما حصل في آماد بعيدة من عهد اليونان والرومان وما قام به اليهود والنصارى من تغيير وتحريف لأحكام الله بشهادة القرآن الكريم، قال تعالى:" أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون" البقرة 74.

    وكانت من جملة الأحكام التي عرفت الأخذ والرد، والجزر والمد، مسائل الإرث، إذ كان تقرير قواعدها حسب ما تهواه الأنفس وما تمليه البواعث البشرية والنظرة الضيقة وحب الأنانية.

    وبينما يعاني الناس من آثار الحيف والظلم في توريث إنسان، وحرمان آخر بدون حق، أو القسمة الضيزى في التوزيع، فيعطى وارث أكثر من وارث، حتى أشرقت الأرض بنور ربها وجاء الإسلام بشريعة محكمة بسطت لواءها على عالم الحقوق والواجبات وأعطت كل ذي حق حقه على وجه الإنصاف والعدل، ومن ذلك العدل في التوريث والتوزيع.

    وتعد أحكام الإرث في شريعة الإسلام وهي بهذه الشمولية والتفصيل والبيان أكبر حجة وأهدى برهان على عدم تأثر هذه الشريعة السمحة بغيرها من الشرائع سواء كانت سماوية أم وضعية ولاسيما ما يدعيه بعض المستشرقين، وقلدهم في ذلك بعض الكتاب من المسلمين إما عن قصد أو جهل من دعوى أن الشريعة الإسلامية قد تأثرت في أحكامها بالقانون الروماني.

    وهي دعوة مرفوضة من أساسها لأنهم جعلوا الشريعة الإسلامية خاضعة كأي قانون وضعي للتطور التاريخي الذي يمكن أن يحصل فيه تأثير السابق في اللاحق، ونسوا أن شريعة الإسلام أمر إلهي صادر من رب عليم، حكيم منزه سبحانه أن تتأثر أحكامه بترهات المخلوقين، وكيف يحصل ذلك وهو رب العالمين خالق الرومان والأكوان قائم على كل نفس، ومقرر الأحكام جميعا.

    ويتعلق منهاج الإرث في الإسلام بالمبادئ الآتية:

    أ) التدرج في أحكام الإرث.

    ب) العدالة في التوريث.

    ج) العدالة في التوزيع.

    أ) العدالة في أحكام الإرث:

    من خصائص الشريعة الإسلامية أنها بنيت على التدرج في تقرير الأحكام، ومن ذلك نظام الإرث، إذ قرر القرآن الكريم في أول الأمر، مبدأ الوصية للوالدين والأقربين ممن حضرته الوفاة، من غير تحديد لقدرها، ومن غير تمييز بين من يستحقها. فقال تعالى: " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين، فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم، فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم" البقرة 180-181-182.

    وألغى الإسلام حرمان النساء والأطفال من الإرث، بعد أن كان مقتصرا على الرجال البالغين، فقال سبحانه: " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا" النساء 7

    ولم يحصل في هذه الآية بيان النصيب الذي يستحقه صنف الورثة إذ جاء مجملا لأن الأمر يتعلق هنا بترسيخ إرث من كان لا يرث في الجاهلية، كالأطفال والنساء.

    ثم نزلت آيات المواريث ب، لترفع هذا الإجمال وتبين من يرث من أصناف الورثة رجالا ونساء، وتعطي كل ذي حق حقه. فقال عز وجل في سورة النساء:

    ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيما) . الآية : 11.



    ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ) . الآية 12.


    (( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ). الآية 176.

    وبهذا البيان والتفصيل والتفصيل استقر تشريع الإرث وضبطت قواعده وعلمت أصنافه وعرفت أحواله.

    ب) العدالة في التوريث:

    ينطلق هذا المعنى من عدالة الله المطلقة، إذ تكفل سبحانه ببيان من يرث من الورثة، وتولى تعالى القسمة عليهم بنفسه دون تمييز بين ذكر أو أنثى وأعطى كل ذي حق حقه.

    وأصبح قانون التوريث هذا فتحا في عالم الحقوق بخلاف ما كان معروفا عند الأمم السابقة التي كانت تبني الميراث على تقديرات بشرية جائرة، وأسس مصلحية ضيقة، فتحرم بعض الورثة من الميراث كالزوجة والبنت كما عند اليهود حتى يبقى المال محصورا داخل الأسرة . ومن أجل ذلك جعلوا الابن مستحوذا على التركة دون غيره من أخواته.

    وسار على نهجهم المسيحيون لعدم تناول الإنجيل مسائل الميراث.

    وكان الميراث عند العرب في الجاهلية مبنيا على أسباب هي:
    1- التوريث بالنسب: ولا يرث بهذا السبب إلا القوي من الرجال الذي يطيق القتال ويصد الهجوم عن القبيلة فكانت المرأة والصبي يحرمان من الإرث نظرا لما ذكر، فمعيار التوريث هنا هو القوة والدفاع.

    2- التوريث بالتبني: ويستفيد منه كل شخص تبناه رجل ولو كان نسبه لأبيه معروفا، فيتمتع المتبني بكل حقوق البنوة ومنها الميراث.

    وقد بقي العمل به عند العرب إلى أن ألغاه الإسلام فسرى ذلك على الإرث وبطل ببطلانه قال تعالى:

    "وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله" الأحزاب 4-5.

    كما تأكد إلغاء التوريث بالتبني بآية المواريث المفصلة.

    3- التوريث بالحلف: وقد دعا إلى هذا النوع من الإرث عند العرب حاجتهم إليه في الدفاع عن أنفسهم في الحروب وأنواع القتال، فكانوا يتحالفون ويتعاقدون من أجل ذلك، ويكون تحالفهم هذا سببا في الميراث أيضا، وفيه نزل قوله تعالى:

    " ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون، والذين عقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا" النساء 33.

    وقد ألغي هذا النوع من التوريث بقوله تعالى: " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، إن الله بكل شيء عليم" الأحزاب 6. وألغي كذلك بآية المواريث المفصلة.

    ويتفرع عن مبدأ العدالة في التوريث العدالة في التوزيع.

    ج) العدالة في التوزيع:

    يعتبر توزيع الميراث نوعا من القسم الإلهي للأرزاق قال تعالى: " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا" الزخرف 31.

    وقد عين الباري سبحانه لكل وارث نصيبه المفروض، وهو العليم بأحوال عباده، الحكيم في تصرفاته وعطائه، فلم يبق هناك اعتراض ولا رد، لأن العقل البشري لا طاقة له بحاكمية خالقه، وتقدير مدبره، إذ جل جلاله فوق تصوره، قال تعالى:"وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"الإسراء 85

    ومن المبادئ المقررة في التوزيع هنا مبدأ المضاعفة المشار إليه في قوله تعالى:" يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" النساء11.

    ومعنى ذلك إذا كان هناك بنت وابن فللذكر سهمان وللأنثى سهم واحد ومعناه للبنت الثلث، ولأخيها الثلثان.

    وأساس هذا التفاضل ما أنيط بالرجل من تكليف وتبعات تجعل مبدأ الحاجة مراعى في حقه، قال تعالى: " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم" النساء 34.

    يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال 1/591: " وليس الأمر في هذا أمر محاباة لجنس على حساب جنس، وإنما الأمر أمر توازن وعدل، بين أعباء الذكر وأعباء الأنثى في التكوين العائلي، وفي النظام الاجتماعي الإسلامي: فالرجل يتزوج امرأة، ويكلف إعالتها، وإعالة أبنائها منه في كل حالة وهي معه، وهي مطلقة منه ...، أما هي فإما أن تقوم بنفسها فقط، وإما أن يقوم بها رجل قبل الزواج وبعده سواء، وليست مكلفة نفقة للزوج ولا للأبناء في أي حال ...فالرجل مكلف على الأقل ضعف أعباء المرأة في التكوين العائلي وفي النظام الاجتماعي الإسلامي. ومن ثم يبدو العدل كما يبدو التناسق بين الغنم والغرم في هذا التوزيع الحكيم، ويبدو كل كلام في هذا التوزيع جهالة من ناحية وسوء أدب مع الله من ناحية أخرى، وزعزعة للنظام الاجتماعي والأسري لا تستقيم معها حياة".

    ونظام الإرث في الإسلام هو أعدل الأنظمة في المحافظة على حقوق المرأة توريثا وتوزيعا وفي ذلك يذكر الدكتور جوستاف لوبون الفرنسي في كتابه "حضارة العرب" : "ومبادئ المواريث التي نص عليها القرآن على جانب عظيم من العدل والإنصاف ، والشريعة الإسلامية منحت الزوجات التي يزعم أن المسلمين لا يعاشروهن بالمعروف حقوقا في المواريث لا نجد مثلها في قوانيننا".

    وهذا التعليل مصلحي نظر فيه إلى عبء التكاليف التي يتحملها الرجل في الإنفاق، وإن كان يكفي العقل المسلم السليم الوقوف عند ما قرره الباري سبحانه العالم الحكيم. ولذلك جاء قوله تعالى: في غير ما آية متعلقة بالميراث: "والله عليم حليم" بعد آية الفرائض.

    والإسلام بهذا النوع من التوزيع في الميراث يقرر مبدأ التكافل داخل الأسرة، ويؤكد أواصر المودة والألفة.

    كما أن هذا التوزيع يقضي على جمع المال وحصره في يد واحدة أو طائفة معينة، وهو مبدأ قرآني يجعل المال وسيلة للخير لا غاية.

    قال تعالى:" والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم" التوبة 34.

    وقال تعالى: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" الحشر 7.

    وهذا هو توازن التوزيع والعدل فيه..والغاية منه - كما ذكر - القضاء على بوادر الإحن والضغائن في النفوس، وجعل المادة أداة لوظيفة اجتماعية ، وعدم علو طائفة دون أخر كما نشاهده اليوم في المجتمعات التي تؤمن بالمذهب الرأسمالي الحر دون قيد أو شرط.

    وتفريق المال وتوزيعه بين الورثة إشعار بهذه المعاني السابقة حتى ينتفع كل واحد من أقارب الهالك بجزء منه ويتصرف فيه تصرفا يجعله ناظرا إلى المال نظرة جزئية مبنية على الزوال والفناء، إذ كما تلقاه هو من موروثه فإنه ذاهب في يوم من الأيام وتاركه لغيره.

    قال الشاعر:

    وإذا سمعت بأن شخصا هالك *** فاحذر عليك فأنت ذاك الهالك
    ترك الذي جمعت يداه لغيره *** وكذاك أنت غدا لغيرك تارك
    لا تطمعن فيما جمعت تفردا *** فالموت فيما قد جمعت مشارك

    وقال آخر:

    ما زلت تسمع ما حييت بهالك حتى تكزنه
    أحكام المواريث 25-32- محمد رياض- بتصرف



  4. #4
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,430
    ميراث المرأة بين الإسلام والأديان الأخرى

    الكاتب: أ/ سيد محمود
    يدرك أعداء الإسلام أن الدور العظيم الذي تقوم به المرأة المسلمة في واقع أمتها وفي خدمة دينها؛ لذلك لا تفتأ رحى الحرب تدور تجاه المرأة المسلمة بهدف إفسادها, لأنه إذا فسد الرجل فإنه يفسد نفسه أما إذا فسدت المرأة فإنها تفسد أسرة بكاملها، ومن أهم محاور الحرب على المرأة المسلمة محاولة إخراجها من الانتماء والتحاكم إلى شريعة الإسلام؛ بزعم أن هذه الشريعة قد غبنتها مكانتها وهضمتها حقها، ومن أمثلة ما يشيعونه لهذا الغرض هو زعمهم أن الشريعة ميزت الرجل على المرأة في الميراث؛ فأعطتها دائمًا نصف ما للرجل وهذا من الكذب الصريح على الإسلام، فحقيقة الأمر أن الإسلام وضع قاعدة العدل الإلهي في تعاملاته، وهي:

    "المساواة بين المتماثلات والتفريق بين المتباينات"

    وهذا هو العدل الحقيقي الذي تحتاجه البشرية؛ فيرضى ضميرها وتنعم سريرتها وتستقر حياتها.

    وفي مجال الميراث لم ينظر الإسلام إلى نوع الوارث وجنسه، لكنه نظر إلى اعتبارات ثلاثة، وقسّم الميراث على أساسها .

    الاعتبار الأول:
    درجة القرابة بين الوارث ذكرًا كان أو أنثى وبين المُوَرَّث المتوفَّى، فكلما اقتربت الصلة.. زاد النصيب في الميراث.. وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب في الميراث، دونما اعتبار لجنس الوارثين.. فابنة المتوفى تأخذ مثلاً أكثر من والد المتوفى أو أمه.

    الاعتبار الثاني:
    موقع الوارث من الحياة .. فالأجيال التي تستقبل الحياة، وتستعد لتحمُل أعبائها، عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة. وتتخفف من أعبائها، بل وتصبح أعباؤها ـ عادة ـ مفروضة على غيرها، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للورثة.

    فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه ـ وكلتاهما أنثى ـ .. وترث البنت أكثر من الأب! – حتى لو كانت رضيعة لم تدرك شكل أبيها .. وحتى لو كان الأب هو مصدر الثروة التي للابن، والتي تنفرد البنت بنصفها! وكذلك يرث الابن أكثر من الأب ـ وكلاهما من الذكور..

    الاعتبار الثالث:
    التكليف المالي الذي يوجبه الشرع على الوارث حيال الآخرين .. وهذا هو الاعتبار الوحيد الذي يفرّق فيه بين الذكر والأنثى .. ليس باعتبار الجنس، ولكن باعتبار التكليف والأعباء المالية.

    فإذا ما تساوى الورثة في القرابة، وفي موقعهم من الحياة فكانوا جيلاً واحدًا كالأخوة أو الأبناء، هنا ينظر الشرع إلى التكاليف والأعباء المالية المناطة بهم.

    فالأخت المتزوجة هي في إعالة زوجها، لكنها ترث نصف أخيها الذي يعول زوجته وأولاده، فإذا كانت أخته غير متزوجة فهو يعولها أيضًا فترث نصفه ومالها ذمة مالية خاصة بها لكنه لا يزال مسئولاً شرعًا عن رعايتها وكفالتها، وكذا الحال مع الأبناء.

    لذلك قال الله تعالى:
    {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] .

    فتفريق الشرع هنا ليس تفريق بين المتماثلات، لكنه تفريق بين المتباينات التي يجب التفريق بينها.
    فالشرع يوجب على الرجل مهر للمرأة، لكنه لا يوجب على المرأة مهرًا للرجل.
    كذلك على الرجل إعداد مسكن الزوجية وتجهيزه، ثم الإنفاق على المرأة وإعالتها هي وأولادها، كذلك يجب على الرجل الغرامات كالديات والقصاص حتى في حالة الطلاق لا يترك الشرع المرأة لمواجهة أعباء الحياة بمفردها فيلزم زوجها السابق بنفقة متعة أو نفقة كفالة، ما دام لم تتزوج المرأة من زوج آخر، وبناء على هذه التكاليف والأعباء المالية أعطى الإسلام للرجل في حالة تساوي درجة القرابة وموقعها من استقبال الحياة أعطاه ضعف المرأة وألزمه بالإنفاق عليه وإعالتها.

    وهو ما يعطي المرأة مكانة مميزة ومعتبرة في أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية.

    وانحصرت حالات هذه الاعتبار في أربع حالات فقط:
    1) في حالة وجود أولاد للمتوفى، ذكورًا وإناثًا (أي الأخوة أولاد المتوفى)
    لقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن} [النساء: 11].

    2) في حالة التوارث بين الزوجين، حيث يرث الزوج من زوجته ضعف ما ترثه هي منه.
    لقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12] .

    3) يأخذ والد المتوفى ضعف زوجته هو إذا لم يكن لابنهما وارث، فيأخذ الأب الثلثين وزوجته الثلث.

    4) يأخذ والد المتوفى ضعف زوجته هو نفسه إذا كان عند ابنهما المتوفى ابنة واحدة، فهي لها النصف، وتأخذ الأم السدس ويأخذ الأب السدس (والباقي تعصبًا).

    وفي المقابل نجد أن الإسلام أعطى المرأة في كثير من الأحوال مثل الرجل:
    1) في حالة وجود أخ وأخت لأم في إرثهما من أخيهما، إذا لم يكن له أصل من الذكور ولا فرع وارث (أي ما لم يحجبهم عن الميراث حاجب). فلكل منهما السدس، وذلك لقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ} [النساء: 12] أي لا ولد له ولا أب (وله أخ أو أخت) أي لأم {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء: 12].

    2) إذا توفي الرجل وكان له أكثر من اثنين من الأخوة أو الأخوات فيأخذوا الثلث بالتساوي.

    3) فيما بين الأب والأم في إرثهما من ولدهما إن كان له ولد أو بنتان فصاعدًا: لقوله تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 11].

    4) إذا ماتت امرأة وتركت زوجًًا وأختًًًا شقيقة: فلكل منهما النصف.

    5) إذا ماتت امرأة وتركت زوجًا وأختًا لأب: فلكل منهما النصف.

    6) إذا ماتت امرأة وتركت زوجًً وأمًا وأختًا شقيقة: فللزوج النصف، وللأم النصف، ولا شيء للأخت (عند ابن عباس).

    7) إذا ماتت امرأة وتركت زوجًا وأختًا شقيقة وأختًا لأب وأختًا لأم: فللزوج النصف، والأخت الشقيقة النصف، ولا شيء للأخت لأب وللأخ لأب.

    8) إذا مات الرجل وترك ابنتين وأبًا وأمًا: فالأب السدس والأم السدس ولكل ابنة الثلث.

    وهناك أيضًا حالات أعطى الشرع فيه للمرأة أكثر ما أعطى للرجل:
    1) إذا مات الرجل وترك أمًا وابنتين وأخًا؛ فالابنة هنا ترث ضعف ونصف ضعف الأخ.

    2) إذا مات الأب وترك ابنةً وأمًا وأبًا؛ فتأخذ الابنة ضعف ونصف الأب أيضًا.

    3) إذا مات الرجل وترك ابنتين وأبًا وأمًا فالابنة هنا ترث ضعفين الأب.

    4) إذا ماتت امرأة وتركت زوجًا وأمًا وجدًا وأَخَوَين للأم وأخَّين لأب.

    5) إذا مات رجل وترك ابنتين وأخًا لأب وأختًا لأب: فلكل من الشقيقتين الثلث وسهم كل منهما 3، والباقي يأخذ منه الأخ الثلثين وأخته الثلث.

    وهناك حالات ترث فيه المرأة ولا يرث الرجل أصلاً:

    1) إذا مات وترك بنتًا وأختًا وعمًا: فللابنة النصف وللأخت النصف، ولا شيء للعم.

    2) إذا ماتت امرأة وتركت زوجًا وأختًا شقيقة وأختًا لأب وأختًا لأم: فللزوج النصف، والأخت الشقيقة النصف، ولا شيء للأخت لأب وللأخ لأب.

    3) إذا ماتت وتركت زوجًا، وأبًا، وأمًا، وابنةً، وابنة ابن، وابن الابن: فللزوج الربع وسهمه 3، ولكل من الأب والأم السدس وسهم كل منهما 2، والابنة النصف وسهمها 6، ولا شيء لكل من ابنة الابن وابن الابن، أي الابنة ورثت ستة أضعاف ابن الابن.

    4) إذا ماتت وتركت زوجًا وأمًا وأَخَوَين لأم وأخ شقيق أو أكثر.
    للزوج النصف وسهمه (3) وللأم السدس وسهمها (1)، وللإخوة لأم الثلث وسهم كل واحد منهما (1) وتصح من

    5)، ولا يبقى للأشقاء ما يرثونه. (عمر بن الخطاب).

    6) إذا ماتت امرأة وتركت زوجًا وجدًا وأمًا وأخوة أشقاء وأخوة لأم: فللزوج النصف، وللجد السدس، وللأم السدس، وللأخوة الأشقاء الباقي، ولا شيء لأخوة الأم.

    والمستقرأ لعلم المواريث في الإسلام يجد أن هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل، أو أكثر منه، أو ترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال، في مقابلة أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل ...

    فهل يُعقل بعد هذا أن يأتي أحدهم فيقول: إن الإسلام ظلم المرأة في الميراث؟

    نظرة على ميراث المرأة في الشرائع الأخرى

    لكن دعونا في المقابل نطلع على ما أعطته الشرائع الأخرى للمرأة من حق في الميراث؟

    فالميراث في الكتاب المقدس للذكور فقط: (15«إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ إِحْدَاهُمَا مَحْبُوبَةٌ وَالأُخْرَى مَكْرُوهَةٌ فَوَلدَتَا لهُ بَنِينَ المَحْبُوبَةُ وَالمَكْرُوهَةُ. فَإِنْ كَانَ الاِبْنُ البِكْرُ لِلمَكْرُوهَةِ 16 فَيَوْمَ يَقْسِمُ لِبَنِيهِ مَا كَانَ لهُ لا يَحِلُّ لهُ أَنْ يُقَدِّمَ ابْنَ المَحْبُوبَةِ بِكْرًا عَلى ابْنِ المَكْرُوهَةِ البِكْرِ 17 بَل يَعْرِفُ ابْنَ المَكْرُوهَةِ بِكْرًا لِيُعْطِيَهُ نَصِيبَ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يُوجَدُ عِنْدَهُ لأَنَّهُ هُوَ أَوَّلُ قُدْرَتِهِ. لهُ حَقُّ البَكُورِيَّةِ.) تثنية 21: 15-17

    ولا ترث الإناث إلا عند فقد الذكور: (1 فَتَقَدَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ .. .. .. 2 وَوَقَفْنَ أَمَامَ مُوسَى .. .. .. قَائِلاتٍ: 3 أَبُونَا مَاتَ فِي البَرِّيَّةِ .. .. .. وَلمْ يَكُنْ لهُ بَنُونَ. 4 لِمَاذَا يُحْذَفُ اسْمُ أَبِينَا مِنْ بَيْنِ عَشِيرَتِهِ لأَنَّهُ ليْسَ لهُ ابْنٌ؟ أَعْطِنَا مُلكًا بَيْنَ أَعْمَامِنَا». 5 فَقَدَّمَ مُوسَى دَعْوَاهُنَّ أَمَامَ الرَّبِّ. 6 فَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى: 7 «بِحَقٍّ تَكَلمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ فَتُعْطِيهِنَّ مُلكَ نَصِيبٍ بَيْنَ أَعْمَامِهِنَّ، وَتَنْقُلُ نَصِيبَ أَبِيهِنَّ إِليْهِنَّ. 8 وَتَقُول لِبَنِي إِسْرَائِيل: أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ وَليْسَ لهُ ابْنٌ تَنْقُلُونَ مُلكَهُ إِلى ابْنَتِهِ. 9 وَإِنْ لمْ تَكُنْ لهُ ابْنَةٌ تُعْطُوا مُلكَهُ لإِخْوَتِهِ. 10 وَإِنْ لمْ يَكُنْ لهُ إِخْوَةٌ تُعْطُوا مُلكَهُ لأَعْمَامِهِ. 11 وَإِنْ لمْ يَكُنْ لأَبِيهِ إِخْوَةٌ تُعْطُوا مُلكَهُ لِنَسِيبِهِ الأَقْرَبِ إِليْهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَيَرِثُهُ». فَصَارَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيل فَرِيضَةَ قَضَاءٍ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى.) عدد 27: 1-11

    وقد نصت المادة السابعة عشرة بعد المائتين من القانون الفرنسي على ما يلي: ( المرأة المتزوجة ـ حتى لو كان زواجها قائمًا على أساس الفصل بين ملكيتها وملكية زوجها ـ لا يجوز لها أن تهب، ولا أن تنقل ملكيتها ولا أن ترهن، ولا أن تملك بعوض أو بغير عوض بدون اشتراك زوجها في العقد أو موافقته عليه موافقة كتابية.

    وظلت المرأة في القانون الإنجليزي تباع من زوجها لآخر بست بنسات، واستمر هذا القانون ساريًا حتى عام 1805م، فيما اعتبر قانون الثورة الفرنسية المرأة قاصرًا كالصبي والمجنون، ومنعها من التصرف في ممتلكاتها إلا بوصاية أحدهم عليها، واستمر ذلك حتى عام 1938م.

    وعندما أراد الغير أن يغير الظلم الواقع على المرأة رمها بظلم أكبر فجردها من أنوثتها ونفسيتها وكيانها وتميزها؛ فساوها بالرجل في الأعباء والتكاليف فجنى عليها أشد جناية جعلت منها جسدًا بلا روح وكيانًا بلا حياة, فشقاء المرأة يستمر ببعدها عن الإسلام لأنه وحده القادر على سياستها، وإرضائها وموائمة فطرتها؛ لأنه وحده دين الله العليم الحكيم.


  5. #5
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,430
    نظام الإرث / دراسة مقارنة بين الإسلام وغيره / منقول من موقع الفقاهة شيعة .

    إيضاح:
    حيث إنّ نظام الإرث في التشريع الإسلامي من الأنظمة المهمّة فقد عقدنا دراسة مفصّلة إلى حدّ ما لبيان فلسفة وحكمة هذا التشريع ضمن النقاط التالية:

    أولاً ـ نظرة عامة حول نظام الإرث في الإسلام:

    في البدء يجدر أن نعطي صورة إجمالية عن نظام الإرث وقوانينه كي تتضح البحوث التي ستطرح لاحقاً فنقول: إنّ المحاور الأساس في الإرث هي: أسباب الإرث، طبقات الورّاث وكيفية الإرث وتقسيمه.

    أسباب الإرث وطبقاته:

    وهي على قسمين: نسب وسبب.

    أمّا النسب فهم ثلاث طبقات مترتّبة، فالاُولى تمنع الثانية، والثانية تمنع الثالثة، والطبقات هي:

    الطبقة الأولى: وهي صنفان: الأولاد ذكوراً وإناثاً وإن نزلوا، والأبوان المباشران.

    الطبقة الثانية: وهي صنفان: الإخوة والأخوات وأولادهم وإن نزلوا، والأجداد والجدّات وإن علوا.

    الطبقة الثالثة: ـ وهي طبقة أولي الأرحام ـ وهي صنف واحد، وهم إخوة الآباء والأُمهات وأولادهم، أي الأعمام وإن علوا وأولادهم وإن نزلوا، وفي الأخوال خلاف.

    وأمّا السبب فهو على قسمين أيضاً: الزوجية والولاء.

    والزوجية: تشمل الزوج والزوجة.

    والولاء نوعان:

    النوع الأول: متفق عليه، وهو ولاء العتق أو العتاقة.

    النوع الثاني: مختلف فيه، وهو ولاء ضامن الجريرة أو مولي الموالاة.

    فإن لم يكن للميت وارث نسبي أو سببي يصبح المال من الأموال العامة المعبّر عنها ببيت المال أَو ولاء الإمامة.

    وأمّا كيفية الإرث وتقسيمه ـ سواء كان بالنسب أو السبب ـ فنحوان على سبيل مانعة الخلو: الفرض والقرابة (العصوبة).

    والفروض ستة هي: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. وتفصيل ذلك:

    1ـ أمّا النصف فهو لثلاثة:

    أـ البنت الواحدة.

    ب ـ الأخت للأبوين أو للأب فقط إذا لم يكن معها أخ.

    ج ـ الزوج مع عدم الولد للزوجة وإن نزل.

    2ـ وأمّا الربع فهو لاثنين:

    أـ الزوج مع الولد للزوجة وإن نزل.

    ب ـ الزوجة مع عدم الولد للزوج وإن نزل.

    3ـ وأمّا الثمن فهو للزوجة مع الولد وإن نزل.

    4ـ وأمّا الثلثان فهو لاثنين هما:

    أـ البنتان فصاعداً إذا لم يكن معهنّ ابن مساوٍ.

    ب ـ الأختان فصاعدًا للأبوين أو للأب فقط مع عدم الأخ.

    5ـ وأمّا الثلث فهو لا ثنين:

    أ ـ الأم مع عدم الوالد للميت وإن نزل وعدم الأخوة.

    ب ـ الأخ والأخت من الأم مع التعدّد.

    6ـ وأمّا السدس فهو لثلاثة:

    أـ لكلّ واحد من الأبوين مع وجود الولد للميت وإن نزل.

    ب ـ الأم مع وجود الأخوة للأبوين أو للأب.

    ج ـ الأخ الواجد من الأم أو الأخت الواحدة منها.

    وكلّ من ذكر مقدار سهمه في القرآن الكريم فإرثه يكون بالفرض، أمّا من لم يذكر مقدار سهمه فإرثه يكون بالقرابة (العصوبة).

    بقيت أمور:

    الأمر الأول: يمكن تقسيم الورّاث بحسب كيفية الإرث إلى ما يلي(1):

    القسم الأول: من لا يرث إلاّ بالفرض دائماً من غير ردّ، وهو الزوجة.

    القسم الثاني: من لا يرث إلاّ بالفرض دائماً ولكن مع الردّ في بعض الأحيان وهو الأم من الأنساب والزوج من الأسباب.

    القسم الثالث: من يرث تارة بالفرض وأخرى بالقرابة، وهم: الأب والبنت أو البنات والأخت أو الأخوات، فإنّ الأب يرث بالفرض مع وجود الولد ومع عدمه بالقرابة، وبالعكس البنت والبنات والأخت والأخوات مع وجود الأخ بالقرابة ومع عدمه بالفرض، وكلالة الأم التي ترث بالفرض إذا انفردت عن الجدّ وبالقرابة إذا كانت معه.

    القسم الرابع: ومن عدا هؤلاء كالأخوة والأعمام والأخوال والأجداد وغيرهم لا يرث إلاّ بالقرابة، لعدم الفرض لهم.

    القسم الخامس: الورّاث بالولاء(2)، وهؤلاء لا فرض لهم، وإنّما يرثون إذا لم يكن للميت وارث مناسباً كان أو مسابباً.

    الأمر الثاني: قد تطرأ بعض الموانع التي تمنع الوارث من الإرث، وهي كثيرة أهمها:

    1ـ القتل.

    2ـ الرقّ.

    3ـ الكفر.

    الأمر الثالث: هناك صور عديدة لاجتماع الورّاث، ففي بعضها تفي التركة بالسهام، وفي بعضها تزيد عنها، وفي بعضها تنقص عنها، وقد تعرّضت الآيات لبعض هذه الحالات وتعرّضت السنّة لبعضها الآخر.

    الأمر الرابع: تعرّضت الآيات إلى حالة وجود حقوق والتزامات مالية للميت كالوصية والدَّين، وبيّنت تقدّمها على الإرث.

    إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة.

    ثانياً ـ نشوء وتطور ظاهرة الإرث:

    من أجل أن تتجلّى عظمة هذا التشريع الإلهي تجدر الإشارة إلى القوانين والأعراف التي كانت سائدة قبل الإسلام لتحصيل صورة عن الأجواء الحاكمة على المجتمعات البشرية قبل وإبّان نزول قوانين الإرث في الإسلام، وكذلك من المناسب أيضاً الإطلالة على قوانين الإرث التي شرّعت بعد الإسلام في الأمم الحديثة سيما الغربية.

    1ـ نشوء ظاهرة الإرث:

    وتعدّ هذه الظاهرة من الظواهر القديمة جدّاً في المجتمعات البشرية، ومن الصعوبة بمكان تعيين بداية له على وجه التحديد، وذلك لعاملين:

    العامل الأول: الميل الطبيعي لدى الإنسان نحو التسلّط على المال بحكم غريزة الطمع وحبّ التملّك سيمّا إذا ارتفع المانع الذي يحول بينه وبين المال كارتفاع يد كانت مسلّطة عليه بسبب موته مثلاً: لذا يمكن القول بأنّه قارن دور الملكية والتملّك من الإنسان.

    العامل الآخر: إنّ الإنسان فيما كوّنه من مجتمع بدائياً كان أو متحضّراً لا يستغني عن إنشاء العلاقات مع غيره، التي تختلف بطبيعة الحال شدّة وضعفاً، فشدّة ارتباطه وقربه من أحد ينتج أقربيته وأولويته له من سائر أفراد المجتمع.

    ومن الواضح أنّ لازم هذين العاملين كون الإرث موجوداً بين البشر من أقدم العهود الاجتماعية.

    2ـ تطوّر هذه الظاهرة:

    ومن الطبيعي أنّ هذا الأمر الاجتماعي كان في بدء ظهوره قليلاً كسائر الأمور الاجتماعية، باعتبار أنّ الحياة كانت سهلة وغير معقّدة، ولم يكن المجتمع آنذاك مكوّناً إلاّ من أفراد قليلين، ولم يكن المال الذي يورث سوى بعض الأشياء القليلة، ولكنّه تطوّر وتحوّل تدريجًا وإن لم يصل إلينا كيفية ذلك.

    ولم تزل هذه السنّة كسائر السنن الجارية في المجتمعات الإنسانية تتحوّل من حال إلى حال وتلعب بها يد التطور والتكامل منذ أول ظهورها، غير أنّ الأمم البدائية لمّا لم تستقر على حال منتظم تعسّر الحصول في تواريخهم على تحوّله المنتظم حصولاً يفيد وثوقاً به.

    وكان في ابتداء أمره إجمالاً مبيناً على القرابة والولاء، أي على النسب والعلاقة الطبيعية وعلى العلاقة الاجتماعية الحادثة، فإنّ لكلّ فرد عادة أبوين وأولاداً وزوجة وقرابة وصديقاً ورحماً، وهذه الأفراد تتفاوت في القرب والبعد والأولوية، ومن هؤلاء تتشكّل العشيرة والقبيلة، فكانت قسمة الإرث تتفاوت في المجتمعات تبعاً لاختلاف الآراء والأعراف في تحديد الأولوية والأقربية، ففي المجتمع الجاهلي ـ مثلاً ـ كانوا يحرمون كثيراً من الورثة عن التركة، لأنهم كانوا يُعدُّون الأولوية للقوي فهو الأحق بالإرث، فبعضهم كانوا يُعدُّون القوي هو رئيس القبيلة، والآخر يعدُّه الأب، وثالث يعدُّه أشجع القوم، وظلّ هذا الأمر مختلفاً فيه متأرجحاً يتحوّل من حال إلى آخر.

    والقدر المتيقّن من أمرهم أنّهم كانوا يحرمون النساء والضعفاء الإرث، وإنّما كان يختص بالأقوياء، وليس إلاّ لأنّهم كانوا يتعاملون مع النساء والضعفاء من العبيد والصغار معاملة الحيوان المسخّر والسلع والأمتعة التي ليس لها إلاّ أن ينتفع بها الإنسان دون أن تنفع هي بالإنسان وما في يده أو تستفيد من الحقوق الاجتماعية التي لا تتجاوز النوع الإنساني.

    ومع ذلك كان يختلف مصداق القوي في هذا الباب برهة بعد برهة، فتارة مصداقه رئيس الطائفة أو العشيرة، وتارة رئيس البيت، وثالثة أشجع القوم وأشدّهم بأساً، وكان ذلك يوجب طبعاً تغيّر سنّة الإرث تغيّراً جوهرياً.

    ولكون هذه السنن الجارية لا تضمن ما تقتضيه الفطرة الإنسانية من السعادة المنشودة كان يسرع إليها التغيّر والتبدّل حتى إنّ الملل المتمدّنة التي كانت تحكمها القوانين أو ما يجري مجراها من السنن المعتادة القومية كان شأنهم ذلك كالروم واليونان، وما عمر قانون من قوانين الإرث الدائرة بين الأمم حتى اليوم مثل ما عمَّرت سنّة الإرث الإسلامية، فقد حكمت في الأمم الإسلامية منذ أول ظهورها إلى اليوم ما يقرب من أربعة عشر قرناً.


    3ـ الوراثة بين الأمم المتمدّنة:

    أـ الروم:

    من خواص الروم أنّهم كانوا يرون للبيت في نفسه استقلالاً مدنياً يفصله عن المجتمع العام ويصونه عن نفوذ الحكومة العامة في جلّ ما يرتبط بأفراده من الحقوق الاجتماعية، فكان يستقّل في الأمر والنهي والجزاء والسياسة ونحو ذلك، فهم يرون أنّ للبيت شخصية حقوقية وقانونية.

    وكان ربّ البيت معبوداً لأهله من زوجة وأولاد وعبيد، وهو بدوره يعبد رب البيت السابق من أسلافه، وكان هو المالك من بينهم ولا يملك دونه أحد ما دام أحد أفراد البيت، وكان هو الولي عليهم القيم بأمرهم باختياره المطلق النافذ فيهم.

    وإذا كان هناك مال يرثه البيت كما إذا مات بعض الأبناء فيما ملكه بإذن رب البيت اكتساباً أو بعض البنات فيما ملكته بالزواج صداقاً وأذن لها رب البيت أو بعض الأقارب فإنّما كان يرثه رب البيت، لأنه مقتضى ربوبيته وملكه المطلق للبيت وأهله.

    وإذا مات رب البيت فإنّما كان يرثه أحد أبنائه أو إخوانه ممّن في وسعه ذلك وورثه الأبناء، فإن انفصلوا وأسسوا بيوتاً جديدة كانوا أربابها، وإن بقوا في بيتهم القديم كان نسبتهم إلى الرب الجديد (أخيهم مثلاً) هي النسبة السابقة إلى أبيهم من الورود تحت قيمومته وولايته المطلقة.

    وكذا كان يرثه الأدعياء، لأنّ الأدّعاء والتبنّي كان دائراً عندهم كما كان بين العرب في الجاهلية.

    وأمّا النساء كالزوجة والبنت والأم فهنّ ذوات علاقة طبيعية دون العلاقة الرسمية التي بموجبها يرث أفراد البيت، فلم يكنّ يرثن لئلّا ينتقل مال البيت بانتقالهنّ إلى بيوت أُخرى بالزواج، فإنّهم ما كانوا يرون جواز انتقال الثروة من بيت إلى آخر، وهذا هو الذي ربّما ذكره بعضهم فقال: إنّهم كانوا يقولون بالملكية الاشتراكية الاجتماعية دون الانفرادية الفردية.

    والمظنون أنّ مأخذه شيء آخر غير الملك الاشتراكي، فإنّ الأقوام الهمجية المتوحشة أيضاً من أقدم الأزمنة كانوا يمتنعون من مشاركة غيرهم من الطوائف البدوية فيما حازوه من المراعي والأراضي الخصبة وحموه لأنفسهم وكانوا يحاربون عليه ويدفعون عن محمياتهم، وهذا نوع من الملك العام الاجتماعي الذي يكون مالكه هيئة المجتمع الإنساني دون أفراده، وهو مع ذلك لا ينفي أن يملك كلّ فرد من المجتمع شيئاً من هذا الملك العام اختصاصاً.

    وهذا ملك صحيح الاعتبار، غير أنّهم ما كانوا يحسنون تعديل أمره والاستدرار منه، وقد احترمه الإسلام، قال تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً }(3) فالمجتمع الإنساني وهو المجتمع الإسلامي ومن هو تحت ذمته هو المالك لثروة الأرض بهذا المعنى ثم المجتمع الإسلامي هو المالك لما في يده من الثروة، ولذلك لا يرى الإسلام إرث الكافر من المسلم.

    ولهذا النظر آثار ونماذج في بعض المجتمعات الحاضرة حيث لا يرون جواز تملّك الأجانب شيئاً من الأراضي والأموال غير المنقولة من أوطانهم ونحو ذلك.

    ولمـَّا كان البيت في الروم القديم ذا استقلال في نفسه، كان قد استقرت فيه هذه العادة القديمة المستقرة في الطوائف والممالك المستقلّة.

    وكان قد أنتج استقرار هذه العادة أو السنّة في بيوت الروم مع سنّتهم في التزويج من منع الزواج بالمحارم أنّ القرابة انقسمت عندهم قسمين: أحدهما القرابة الطبيعية وهي الاشتراك في الدم، وكان لازمها منع الزواج في المحارم وجوازه في غيرهم، والآخر: القرابة الرسمية وهي القانونية ولازمها الإرث وعدمه والنفقة والولاية وغير ذلك، فكان الأبناء أقرباء ذوي قرابة طبيعية ورسمية معاً لربِّ البيت ورئيسه وفيما بينهم أنفسهم، وكانت النساء جميعاً ذوات طبيعية لا رسمية، فكانت المرأة لا ترث والدها ولا ولدها ولا أخاها ولا بعلها ولا غيرهم. هذه سنّة الروم القديم.

    ب ـ اليونان:

    وأمّا اليونان فكان وضعهم القديم في تشكيل البيوت قريباً من وضع الروم القديم، وكان الميراث فيهم يرثه أرشد الأولاد الذكور، ويحرم النساء جميعاً من زوجة وبنت وأخت، ويحرم صغار الأولاد وغيرهم، غير أنّهم كالروميين ربّما كانوا يحتالون لتوريث الصغار من أبنائهم ومن أحبوها وأشفقوا عليها من زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم بحيل متفرّقة تسهّل الطريق لإمتاعهنّ بشيء من الميراث قليل أو كثير بوصية أو نحوها.

    ج ـ الهند ومصر والصين:

    وأمّا الهند ومصر والصين فكان أمر الميراث في حرمان النساء منه مطلقاً، وحرمان ضعفاء الأولاد أو بقاؤهم تحت الولاية والقيمومة قريباً ممّا تقدّم من سنّة الروم واليونان.

    د ـ الفرس:

    وأمّا الفرس فإنّهم كانوا يرون نكاح المحارم وتعدّد الزوجات كما تقدّم ويرون التبنّي، وكانت أحب النساء إلى الزوج ربّما قامت مقام الابن بالادّعاء وترث كما يرث الابن والدعيّ بالسوية، وكانت تحرم بقية الزوجات، والبنت المزوّجة لا ترث حذراً من انتقال المال إلى خارج البيت، والتي لم تزوّج بعد ترث نصف سهم الابن، فكانت الزوجات غير الكبيرة والبنت المزوّجة محرمات، وكانت الزوجة الكبيرة والابن والدعيّ والبنت غير المزوّجة بعد مرزوقين.

    هـ ـ العرب:

    وأمّا العرب في العصر الجاهلي المعاصر لنزول القرآن فقد كانوا يحرمون النساء مطلقاً والصغار من البنين، ويمتِّعون أرشد وأقوى الأولاد ممّن يركب الفرس ويدفع عن الحرمة، فإن لم يكن فالعصبة.

    هذا حال الدنيا يوم نزلت آيات الإرث، ذكرها وتعرّض لها كثير من تواريخ آداب الملل وتقاليدهم والرحلات وكتب الحقوق وأمثالها، من أراد الاطلاع على تفاصيل القول أمكنه أن يراجعها.

    وقد تلخّص من جميع ما مر أنّ السنّة كانت قد استقرت في الدنيا يومئذٍ على حرمان النساء بعنوان أنّهنّ زوجة أو أم أو بنت أو أخت إلاّ بعناوين أخرى مختلفة، وعلى حرمان الصغار والأيتام إلاّ في بعض الموارد تحت عنوان الولاية والقيومة الدائمة غير المنقطعة.

    ثالثاً ـ أسس نظام الإرث في الإسلام:

    إنّ الإسلام يرى أنّ الأساس الحق للأحكام والقوانين الإنسانية هو الفطرة التي فطر الناس عليها ولا تبديل لخلق الله، وقد بنى الإرث على أساس الرحم التي هي من الفطرة والخلقة الثابتة، وقد ألغى إرث الأدعياء حيث يقول تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}(4).

    ثمّ أخرج الوصية من تحت عنوان الإرث وأفردها عنواناً مستقلاً يعطى به ويؤخذ وإن كانوا يسمّون التملّك من جهة الإيصاء إرثاً، وليس ذلك مجرّد اختلاف في التسمية، فإنّ لكلّ من الوصية والإرث ملاكاً آخر وأصلاً فطرياً مستقلاً، فملاك الإرث هو الرحم ولا نفوذ لإرادة المتوفّى فيها أصلاً، وملاك الوصية نفوذ إرادة المتوفّى بعد وفاته ـ وإن شئت قل: حين ما يوصي ـ في ما يملكه في حياته واحترام مشيئته، فلو أدخلت الوصية في الإرث لم يكن ذلك إلاّ مجرّد تسمية.

    وأمّا ما كان يسمّيها الناس كالروم القديم مثلاً إرثاً فلم يكن لاعتبارهم في سنّة الإرث أحد الأمرين، إمّا الرحم وإمّا احترام إرادة الميت، بل حقيقة الأمر أنّهم كانوا يبنون الإرث على احترام الإرادة وهي إرادة الميت بقاء المال الموروث في البيت الذي كان فيه تحت يد رئيس البيت وربه أو إرادته انتقاله بعد الموت إلى من يحبه المبيت ويشفق عليه، فكان الإرث على أيّ حال يبتني على احترام الإرادة، ولو كان مبتنياً على أصل الرحم واشتراك الدم لرزق من المال كثير من المحرومين منه، وحرم كثير من المرزوقين.

    وقد سنّ الإسلام قوانينه وأحكامه في الإرث على الفطرة والحكمة والتعقّل، وشرّع نظام الإرث على أساس محكم متين، وهو النسب والسبب والولاء، واعتبر أنّ القرابة تقوم على أساس الرحم الذي هو أُمّ تكويني، وألغى كثيراً من الأمور التي كانت متبعة عند المجتمعات قبل الإسلام، منها التبنّي والادّعاء والقوة والنفوذ والشجاعة والرشد ونحو ذلك من الأُسس الواهية التي كانوا يحرمون بها كثيراً من الورثة، بل يمكن القول إنّ الإرث كان يبتني على إرادة ربّ البيت وما تمليه العادات والتقاليد العفوية دون الحكمة والتعقّل.

    ثمّ إنّه بعد ذلك عمد إلى الإرث وعنده في ذلك أصلان جوهريان:

    الأصل الأول: أصل الرحم أو القرابة، وهو العنصر المشترك بين الإنسان وأقربائه، ولا يختلف فيه الذكور والإناث والكبار والصغار حتى الأجنّة في بطون أُمهاتهم وإن كان مختلف الأثر في التقدّم والتأخّر، ومنع البعض للبعض من جهة قوته وضعفه بالقرب من الإنسان والبعد منه، وانتفاء الوسائط وتحققها قليلاً أو كثيراً كالولد والأخ والعم. وهذا الأصل يقضي باستحقاق أصل الإرث مع حفظ الطبقات المتقدّمة والمتأخّرة.

    وقد تعرّض القرآن الكريم إلى عمدة أحكام المواريث والفرائض في سورة النساء، وجعل الورّاث ضمن طبقات مرتّبة على قاعدة الأقربية في الرحم التي هي أهم القواعد في الإرث، وجرى عليها العمل في الفقه الإسلامي، وهي من أجلّ وأحسن نظام روعي فيه جميع الخصوصيات، وأبطل بها الله عزّ وجلّ جميع الأحكام الوضعية التي كانت سائدة في المجتمعات القديمة، ومنها المجتمع الجاهلي وما وضعته القوانين المدنية.

    الأصل الثاني: أصل اختلاف الذكر والأنثى في نحو وجود الخصائص الناشئة عن الاختلاف في تجهيزهما بالتعقّل والإحساسات، فالرجل بحسب طبعه مظهر التعقّل والحسم، كما أنّ المرأة مظهر العواطف والإحساسات اللطيفة الرقيقة، وهذا الفرق مؤثّر في حياتهما التأثير البارز في تدبير المال المملوك وصرفه في الحوائج، وهذا الأصل هو الموجب للاختلاف في السهام في الرجل والمرأة وإن وقعا في طبقة واحدة كالابن والبنت، والأخ والأخت في الجملة على ما سنبيّنه.

    واستنتج من الأصل الأول ترتّب الطبقات بحسب القرب والبعد من الميت لفقدان الوسائط وقلّتها وكثرتها، فالطبقة الأولى هي التي تتقرّب من الميت بلا واسطة وهي الابن والبنت والأب والأم، والثانية الأخ والأخت والجدّ والجدّة، وهي تتقرّب من المبيت بواسطة واحدة وهي الأب أو الأم أو هما معاً، والثالثة العم والعمة والخال والخالة، وهي تتقرّب إلى الميت بواسطتين وهما أب الميت أو أمه وجدّه، أو جدّته، وعلى هذا القياس.

    والأولاد في كلّ طبقة يقومون مقام آبائهم ويمنعون الطبقة اللاحقة، وقد روعي حال الزوجين لاختلاط دمائهما بالزواج مع جميع الطبقات، فلا يمنعهما طبقة ولا يمنعان طبقة.

    ثم استنتج من الأصل الثاني اختلاف الذكر والأنثى في غير الأم والكلالة المتقرّبة بالأم بأنّ للذكر مثل حظ الأنثيين. وبذلك أبطل الإسلام جميع التشريعات الظالمة التي أسست على الرغبة والمطامع والأهواء الباطلة، فكانوا يحرمون النساء من الإرث لأنّهم كانوا لا يرون لهنّ منزلة أساس في المجتمع الإنساني، بل دورها تبعيٌّ ذيليٌّ بسبب نقص في إنسانيتها، لكن الإسلام ردّ المرأة إلى منزلتها الطبيعية وأرجع لها الحقوق التي اغتصبت منها فترات طويلة.

    والسهام الستة المفروضة في الإسلام (النصف والثلثان والثلث والربع والسدس والثمن) وإن اختلفت، وكذا المال الذي ينتهي إلى أحد الوراث وإن تخلّف عن فريضته غالباً بالردّ أو النقص الوارد وكذا الأب والأم وكلالة الأم وإن تخلّفت فرائضهم عن قاعدة {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} ولذلك يعسر البحث الكلّي الجامع في باب الإرث إلاّ أنّ الجميع بحسب اعتبار النوع في تخليف السابق للاحق يرجع إلى استخلاف أحد الزوجين للآخر واستخلاف الطبقة لمولّدة وهم الآباء والأمهات للطبقة المتولّدة وهم الأولاد، والفريضة الإسلامية في كلّ من القبيلين أعني الأزواج والأولاد: للذكر مثل حظ الأنثيين.

    وينتج هذا النظر الكلّي أنّ الإسلام يرى اقتسام الثروة الموجودة في الدنيا بالثلث والثلثين، فللأنثى ثلث وللذكر ثلثان، هذا من حيث التملّك.

    لكنّه لا يرى نظير هذا الرأي في الصرف للحاجة، فإنّه يرى نفقة الزوجة على الزوج ويأمر بالعدل المقتضي للتساوي في المصرف ويعطي للمرأة استقلال الإرادة والعمل فيما تملكه من المال لا مداخلة للرجل فيه، وهذه الجهات الثلاث تنتج أنّ للمرأة أن تتصرّف في ثلثي ثروة الدنيا (الثلث الذي تملكه ونصف الثلثين اللذين يملكهما الرجل)، وليس في قبال تصرّف الرجل إلاّ الثلث.

    ومن هنا فلا يصحّ الإشكال على الفرق في الحصص من الإرث بين الرجل والمرأة، وذلك:

    1ـ باعتبار أنّ الإسلام قد حمّل كاهل الرجل ما لم يحمّل المرأة مثله، فقد ألزم الرجل بالإنفاق على زوجته وأطفاله منذ الولادة حتى يشتدّ عودهم ويبلغوا، فهو مسؤول عن حضانة الصبي وعن توفير الطعام والمسكن والملبس وسائر الاحتياجات في الوقت الذي لم تكن المرأة ملزمة بشيء من ذلك، كما أنّ على الرجل أن يقدّم المهر إلى المرأة في حين أنّها غير ملزمة بذلك.

    والحاصل: إنّ المرأة سوف تحتفظ بحصتها من الإرث من دون أن تكون ملزمة بإنفاقها في مجال معيّن بخلاف الرجل فإنّه ينفق نصف حصته على الأقلّ في المجالات المتقدّمة.

    وهذا إن لم يعبّر بحسب النتيجة عن زيادة حصة المرأة على الرجل ـ إذ إنّها تحتفظ بحصتها مضافاً إلى ما يبذله الرجل عليها بمقدار نصف حصته أو أكثر ـ فلا أقلّ من كونه معبّراً عن تساوي حصتيهما أو تقاربهما.

    وبكلمة أُخرى: إنّ الرجل بحسب الصورة وإن كان يأخذ ضعف ما تأخذه المرأة إلاّ أنّه بحسب النتيجة والواقع مساوٍ لها إن لم تكن حصتها أكثر. فمثل الرجل والمرأة، مثل شخص قليل المؤونة وآخر تبلغ مؤونته أضعاف الأول لكثرة احتياجاته، فلو أعطينا الأول مئة والثاني مئتين فهذا عطاء متوازن وعادل، وليس في هذا العطاء أيّ حيف وظلم.

    فهذا النحو من الإشكالات منشؤه التفكير الساذج والسطحي، وإلاّ فلو مشينا طبقاً للمنطق الاقتصادي العلمي ووفقاً لمعادلاته وحساباته الدقيقة لتجلّت لنا متانة التشريع الإسلامي، إذ إنّ تقييم هذا التقنين لا يصح أن يتم بمعزل عن المنظومة القانونية أجمع، ومع قطع النظر عن الظروف والخصوصيات التي تحيط به.

    ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الإشكال قد طرحه قديماً وأجاب عنه أئمة أهل البيت g.

    أ ـ جواب الإمام الصادق d لابن أبي العوجاء ـ المعروف بالإلحاد والزندقة ـ حين سأل الإمام أبا عبدالله جعفر ابن محمد الصادق h حيث قال: ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرجل سهمين؟ فأجابه الإمام الصادق d بقوله: >إنّ المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا معقلة(5)، وإنّما ذلك على الرجال، فلذلك جعل للمرأة سهماً واحداً وللرجال سهمين<(6).

    ب ـ جواب آخر للصادق d لمّا سأله عبدالله بن سنان عن ذلك فقال d:>لما جعل لها من الصداق<(7).

    ج ـ جواب الإمام علي بن موسى الرضا d: >إنّ المرأة إذا تزوّجت أخذت ـ يعني المهر ـ والرجل يعطي، فلذلك وفّر على الرجل، ولأنّ الأنثى في عيال الذكر إن احتاجت وعليه وأن يعولها وعليه نفقتها، وليس على المرأة أن تعول الرجل ولا تؤخذ بنفقته إن احتاج، فوفّر على الرجال لذلك، وذلك قوله تعالى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء}(8).

    د ـ جواب الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري d لمّا سأله النهيكي ـ أو الفهفكي: ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرجل سهمين؟ فقال أبو محمد d: >إنّ المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا عليها معقلة، إنّما ذلك على الرجال<. فقلت في نفسي: قد كان قيل لي: إنّ ابن أبي العوجاء سأل أبا عبدالله d عن هذه المسألة فأجابه بهذا الجواب، فأقبل عليّ أبو محمد d فقال: "نعم، هذه المسألة مسألة ابن أبي العوجاء. والجواب منّا واحدا إذا كان معنى المسألة واحداً"(9).

    وربّما يكون في قوله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}(10) إشارة إجمالية إلى وجه الحكمة في تفاوت حظّ الرجل والمرأة في الإرث، سيما وإن هذه الآية جاءت قبل قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} (11).

    كما أنّ قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}(12) لعلّ فيه إشارة أيضاً لذلك.

    2ـ إنّ المتتبع لأحكام الإرث وقوانينه يرى أنّ التفاوت في الحصص بين الذكر والأنثى ليس مطلقاً دائماً، بل هناك حالات تتساوى فيها الحصص بين الذكر والأنثى كما في حصتي الأبوين فلكلّ منهما السدس، بل قد تزيد حصة الأنثى أحياناً على حصة الذكر كما لو كان الوارث زوج وبنت فللزوج الربع وللبنت نصف التركة، أو كما في المثال الأول فيما لو اجتمع أبوان وليس للام أخوة فللام الثلث وللأب السدس. هذا أولاً.

    وثانياً: إنّ التفاوت في الحصص وكون حصة الذكر ضعفي حصة الأنثى إنّما يكون في الطبقة الواحدة ومع تساوي الرتبة والدرجة، وإلاّ فلو كانت الأنثى في الطبقة الأولى وحدها مثلاً فتستأثر بالإرث وتمنع غيرها من الطبقات الأخرى وإن كان كلّهم ذكوراً، كما لو كانت بنت مع أعمام لها فترت المال كلّه ولا شيء للأعمام، بل حتى بناءً على القول بالتعصيب فإنّ الذكور لا يستحقون أكثر من البنت، حيث يكون لها النصف والباقي للعصبة، بل في بعض صور التعصيب يكون نصيب الأنثى أكثر.

    رابعاً ـ قوانين الإرث الحديثة:

    إنّ القوانين والتشريعات الحديثة - وإن خالفت قانون الإرث الإسلامي كمّاً وكيفاً على ما سيمر بك إجمالها- متقاربة وأحكام الشريعة، غير أنّها استظهرت في ظهورها واستقرارها بالسنّة الإسلامية في الإرث، فكم بين موقف الإسلام عند تشريع إرث النساء في الدنيا وبين موقفها من الفرق؟!

    فقد كان الإسلام يظهر أمرًاما كانت الدنيا تعرفه ولا قرعت أسماع الناس بمثله، ولا ذكرته أخلاف عن أسلافهم الماضين وآبائهم الأولين، وأمّا هذه القوانين فإنّها أُبديت وكلّف بها أُمم حينما كانت استقرت سنّة الإسلام في الإرث بين الأمم الإسلامية في معظم المعمورة بين مئات الملايين من الناس توارثها الأخلاف من أسلافهم في أكثر من عشرة قرون، ومن البديهيات في أبحاث النفس أنّ وقوع أمر من الأمور في الخارج ثم ثبوته واستقراره نِعْمَ العون في وقوع ما يشابهه، وكلّ سنّة سابقة من السنن الاجتماعية مادة فكرية للسنن اللاحقة المجانسة بل الأولى هي المادة المتحوّلة إلى الثانية، فليس لباحث اجتماعي أن ينكر استعانة القوانين الجديدة في الإرث بما تقدّمها من نظام الإرث الإسلامي وقوانينه وتحوّله إليها تحوّلاً عادلاً أو جائراً.

    ومن أغرب الكلام ما ربّما يقال ـ قاتل الله عصبية الجاهلية الأولى ـ: إنّ القوانين الحديثة إنّما استفادت في موادها من قانون الروم القديمة، وأنت قد عرفت ما كانت عليه سنّة الروم القديمة في الإرث، وما قدّمته السنّة الإسلامية إلى المجتمع البشري، وأنّ السنّة الإسلامية متوسطة في الظهور والجريان العملي بين القوانين الرومية القديمة وبين القوانين الغربية الحديثة، وكانت متعرّقة متعمّقة في مجتمع الملايين ومئات الملايين من النفوس الإنسانية قورناً متوالية متطاولة، ومن المحال أن تبقى سدى وعلى هامش من التأثير في أفكار هؤلاء المقنّنين.

    وأغرب منه أنّ هؤلاء القائلين يذكرون أنّ الإرث الإسلامي مأخوذ من الإرث الرومي القديم!.

    وإجمالاً، فالقوانين الحديثة الدائرة بين الملل الغربية وإن اختلفت في بعض الخصوصيات غير أنّها كالمطبقة على تساوي الرجال والنساء في سهم الإرث، فالبنات والبنون سواء، والأمهات والآباء سواء في السهام، وهكذا.

    وقد رتّبت الطبقات في قانون فرنسا على هذا النحو: (1) البنون والبنات (2) الآباء والأمهات والإخوة والأخوات (3) الأجداد والجدّات (4) الأعمام والعمّات والأخوال والخالات. وقد أخرجوا علقة الزوجية من هذه الطبقات وبنوها على أساس المحبة والعلقة القلبية، ولا يهمنا التعرّض لتفاصيل ذلك وتفاصيل الحال في سائر الطبقات، من أرادها، فليرجع إلى محلّها.

    والذي يهمّنا هو التأمّل في نتيجة هذه السنّة الجارية، وهي اشتراك المرأة مع الرجل في ثروة الدنيا الموجودة بحسب النظر العام الذي تقدّم، غير أنّهم جعلوا الزوجة تحت قيمومة الزوج لا حق لها في تصرّف مالي في شيء من أموالها الموروثة إلاّ بإذن زوجها، وعاد بذلك المال منصّفاً بين الرجل والمرأة ملكاً، وتحت ولاية الرجل تدبيراً وإدارة! وهناك جمعيات إنسانية ناهضة يبذلون مساعيهم لإعطاء النساء الاستقلال وإخراجهنّ من تحت قيمومة الرجال في أموالهنّ، ولو وفّقوا لما يريدون كانت الرجال والنساء متساويين من حيث الملك ومن حيث ولاية التدبير والتصرّف.

    خامساً ـ المقارنة بين هذه التشريعات:

    ونحن بعد ما قدّمنا خلاصة السنن الجارية بين الأمم الماضية وقرونها الخالية إلى الباحث الناقد نحيل إليه قياس بعضها إلى البعض والقضاء على كلّ منها بالتمام والنقص ونفعه للمجتمع الإنساني وضرورة من حيث وقوعه في صراط السعادة ثم قياس ما سنّه شارع الإسلام إليها والقضاء بما يجب أن يقضى به.

    والفرق الجوهري بين السنّة الإسلامية والسنن غيرها في الغاية والغرض، فغرض الإسلام أن تنال الدنيا صلاحها، وغرض غيره أن تنال ما تشتهيها، وعلى هذين الأصلين يتفرّع ما يتفرّع من الفروع، قال تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(13)، وقال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}(14).

    سادساً ـ إشكالات على نظام الإرث:

    ربّما يدّعى أنّ الأفضل هو إلغاء نظام الإرث مطلقًا وعود الأموال الشخصية للإنسان بعد موته إلى المصالح العامة دون أولاده وأقربائه، ومحاسن ذلك كثيرة جدّاً كما لا تخفى على المتأمّل.

    والجواب:

    أ ـ إنّ وجود مصلحة في تشريع معيّن غير كافٍ ما لم ترجح على غيرها، وإلاّ فإنّ الربا فيه فوائد قطعاً، ولكن هناك مصلحة ترجح عليها، فاقتضى ذلك تحريمه.

    ب ـ إنّ هذا النقد لا يتوجّه إلى القانون الإسلامي، بل يشتمل كلّ قوانين الدنيا وما سنّه العقلاء من البشر.

    ج ـ إنّ نظام الإرث في الإسلام لم يغفل الجانب الفطري في الإنسان، فهو منسجم مع الطبيعة البشرية، لأنّه يعتمد القرابة والعلاقة الأسرية في تقسيم التركة، فإلغاء نظام الإرث يصطدم مع ذلك الميل والأحاسيس بين الوارث والمورّث.

    د ـ إنّ الإٍسلام لم يوصد كلّ الأبواب أمام الإفادة العامة من أموال من يتوفّى، بل فتح عدّة نوافذ، نظير: ما لم يكن هناك وارث مناسب أو مسابب فيرجع المال إلى الإمام، وفيما لو أوصى الإنسان قبل موته بما له أو جزئه أو أوقفه للمصالح العامة أو فيما لو تبرّع الورثة كما يحصل كثيراً ونحو ذلك من الحالات.

    سابعاً ـ أبعاد أخرى لنظام الإرث في الإسلام:

    إنّ ثمة أبعاداً إيجابية يمكن اكتشافها من خلال تحليل نظام الإرث بصورة كلّية، نشير إلى نماذج منها:

    أ ـ التنمية الاقتصادية: إذ إنّ الحالات الغالبة للوارث هو كونه متعدّداً، وبحسب قوانين الإرث لا بُدَّ من تقسيم التركة على الورثة وتوزيعها وفق نظام متين ومعادلة مدروسة ودقيقة للغاية، وهذا يقتضي تقسيم المال وتفتيت الثروة في حالات كثيرة، فلا تظلّ مكدّسة عند واحد إلاّ في حالة اتحاد الوارث، فينفرد بالمال، هذا من جانب.

    ومن جانب آخر، فإنّ تقسيم الإرث يؤدّي إلى تحريك الثروة ودعم قسم كبير من أفراده، سيما إذا لاحظنا ظاهرة التوريث بمجموعها فإنّها ظاهرة متكرّرة ومستمرّة في المجتمع وإن كانت لا تحدث إلاّ مرة أو مرتين لكلّ فرد.

    ب ـ البعد التطبيقي: فقد حرصت الشريعة على وحدة المجتمع وتآلفه وقوّت من بناء الأسرة، فلم تدع مجالاً للتفكّك، وكثيراً ما يقع الخلاف والخصام بين الأقرباء بسبب التركة وتحصل القطيعة والجفاء فيما بينهم، لذا فقد حدّدت الشريعة كيفية التعامل مع تركة الميت على أساس أقربيتهم إلى الميت، فراعت مراتبهم وموقعهم الأسري الذي يحدّد دورهم وما تقتضيه شؤونهم، فحفظت بذلك الحقوق وسدّت باب التناحر والتشاجر. سيما إذا لاحظنا أنّ الشريعة طرحت مسألة الإرث بصيغة خاصة، ونشير إلى بعض خصائص الصيغة التشريعية لنظام الإرث:

    1 ـ لقد حاولت الشريعة أن تحرّك البعد المشاعري والأحاسيسي واستثمار القوى العاطفية والإنسانية في البشر، من خلال إرساء قواعد الإرث على أساس الرحم والقرابة، ومن خلال نمط الخطاب، فانظر إلى قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} كم له من الإيحاءات؟! وكم يترك من الآثار على النفس؟! بل تجد في افتتاح سورة النساء بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}([15]) ما يثبت هذه الحقيقة.

    2ـ لقد أكّدت الشريعة على أهمية هذه التشريعات وأنّها ليست من قبيل النافلة التي قد يتسامح فيها المجتمع أحياناً، بل إنّها من عزائم الأحكام ومن عظائم الواجبات التي لا يرضي الشارع بتفويتها وتضييعها بأيّ حال من الأحوال، لاحظ قوله تعالى: (فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ) وقوله: {فِي كِتَابِ اللّهِ} وقوله: {كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} وقوله: {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} وقوله: {وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ}.

    3ـ حثّت الشريعة على ضرورة تطبيق أحكام الإرث بحذافيرها ترهيباً وترغيباً وتوضيحاً، لاحظ قوله تعالى: {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} وقوله: {إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} وقوله: {إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}(16).

    4ـ لقد حذّرت الشريعة من محاولات الإيذاء أو الاحتيال والالتفاف على الحكم الشرعي، انظر قوله تعالى:{غَيْرَ مُضَآرٍّ} وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً...}(17).

    5ـ وحاولت الشريعة أن تسدّ حتى حالات التفكير بالاستحواذ على ما قسم الله للورثة من نصيب ودعت إلى عدم الطمع والجشع إلى أكثر ممّا قسم الله للإنسان، قال تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}(18).

    6ـ بل إنّ التأمّل في سياق الآيات التي بيّنت أحكام الإرث وما حفّت بها من آيات سابقة ولاحقة يكشف عن مدى حرص الشريعة على التركة وكيفية الحفاظ عليه حتى بعد قسمته، نظير الآيات التي تحدّثت عن ضرورة حفظ مال اليتيم والحرص عليه، لاحظ قوله تعالى: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ... وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ... وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى... وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ...}(19) وقوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ... إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً}(20).

    ج ـ أداء الحقوق: طبقاً للشريعة الإسلامية لا تتحوّل التركة إلى الورّاث بمجرّد موت المورِّث، بل لا بُدَّ أولاً من إخراج الحقوق اللازمة كالدَّين وحقوق الناس الأخرى والوصية، فهي فرصة لتصفية حساب المتوفّى وإفراغ ذمّته من حقوق الغير وعدم تضييع تلك الحقوق.

    د ـ أعمال البّر والإحسان: حسب التربية والتوجيه الإسلامي لا ينقضّ الوارث على التركة انقضاض السبع على فريسته، بل المتعارف في مجتمعاتنا الإسلامية أنّ الورثة يخصصون جزءًا من التركة لصرفها في أعمال الخير والمصالح العامة ومساعدة الفقراء، قال تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}(21)، فإن هذه الآية الكريمة تدلّ على حكم أدبي تجتمع فيه الرحمة والرأفة في حال يكون أقرباء الميت أحوج إليهما من غيرهم، فإنّه إذا قسنا هذا الحكم مع ما كانت عليه الحال في الجاهلية وما كان يقتضيه المقام من التعسّف والظلم لحقوق الآخرين تتجلّى عظمة هذا الحكم الإلهي الذي يثير العطف والشفقة في قلوب الأولياء، لاسيما فقراء القربى واليتامى والمساكين والإحسان إليهم ومدّ يد العون إليهم، فاجتمع في هذا الحكم الجانب الأخلاقي والاجتماعي والتربوي، وهذا هو شأن الأحكام الإلهية التي لا تقتصر على جانب معيّن(22).

    هـ ـ الأثر المعنوي: حيث إنّ الإنسان الوارث يأخذ العبرة من ذلك، فيرى كيف أنّ المال الذي يُعمل لجمعه ليل نهار تُرك للآخرين وينتقل الإنسان إلى الآخرة مجرَّداً عن ماله الذي هو عزيز لديه ويذهب بعمله فقط، بل في ذلك عبرة لكلّ إنسان وارثاً كان أولا، فلا داعي للحرص أو لظلم أحد من أجل المال، قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ }(23)، وقال: { آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً }(24)، وقال أيضاً: {...مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ}(25).

    ثامناً ـ المرحلية في التشريع الإسلامي:

    ولقد استخدم الإسلام أسلوباً مرحليًا في بيان تشريعات الإرث وتدرّج في طرحها على المجتمع، لكون هذه التشريعات لم تكن مألوفة في الأذهان، فقد كانت العادات والتقاليد قائمة على منع عدّة من الورّاث بحيث عادت بين الناس كالطبيعة الثانية بحيث لو قرع أسماعهم خلافها لثارت نفوسهم وتحرّكت عواطفهم المزيفّة.

    وجرت سنّتهم على توريث الأقوياء، وعلى ذلك فيحرم الضعفاء كالصغار والنساء، فأراد الله سبحانه أن ينقلهم من تلك العادة شيئاً فشيئاً، لأنّ الانتقال الدفعي أمر ثقيل على الطبع وقد يؤجّج حالة التمرّد، فإذا القي على التدريج سهل أمره وخفّ على النفوس تعاطيه، ونرى هذا التدرّج في نمطين:

    النمط الأول: التدرّج في بيان التشريعات واحداً بعد آخر. فقيل بأنّ هذا التشريع قد مهّد له في الإسلام أولاً بتحكيم أواصر الحبّ في الله والإيثار الديني بين المؤمنين، فعقد الأخوة بينهم ثمّ جعل التوارث على هذا الأساس، وبهذا الأسلوب قضى وبهذا الأسلوب قضى على التقاليد السابقة في التوارث، وذابت الأنفة والعصبية في نفوس المؤمنين، ثم لمّا اشتدّ عود الدين وقام صلبه شرّع التوارث بين أولي الأرحام في حين كان هناك عدّة كافية من المؤمنين يستجيبون لهذا التشريع أحسن استجابة(26]).

    ويلاحظ على هذا البيان بأنّ هذا التحليل مبتنٍ على الفهم الشائع للآيات بكون الإرث كان يتم على أساس الأخوة الإيمانية، ومن هنا وقع أصحاب هذا الفهم في إحراج فلجؤوا إلى القول بنسخ هذا الحكم.

    إلاّ أنّ دعوى أنّ الإرث كان على أساس الأخوة في الدين في صدر الإسلام غير صحيحة، كما سيتضح لاحقاً.

    وأيضًا إنّ دعوى النسخ مرفوضة، لعدم دليل محكم عليها، ولعدم التنافي بين هذه الآيات والأحكام المشرّعة فيها.

    من هنا لا بُدَّ من تعديل بيان هذا النمط من التدرّج، بأنّ التدرّج كان في أصل إظهار وإبراز التشريعات التي لا تنافي فيما بينها، ففي كلّ فرصة مناسبة يطرح الإسلام حكماً أو إشارة إلى أحد تشريعات الإرث.

    النمط الآخر: التدرّج في بيان الحكم الواحد والتلطّف في توضيحه، فتارة يطرحه القرآن مجملاً، وفي آيات أخرى يذكر التفاصيل، فتراه يقول: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ...} ويقول: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ} كأسس عامة وقواعد كلّية ثم يفصّل ذلك ببيان مقدار كلّ نصيب وسائر الخصوصيات الأخرى.

    هذا، وقد ذكرت تفاصيل الإرث في سورة النساء في ثلاث آيات، وهي أمهات أحكام المواريث، ذكر الله فيها أصول الفرائض، وهي سبع عشرة فريضة:

    فذكر في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} ثلاثاً في الأولاد، وثلاثاً في الأبوين، واثنتين في الزوج، واثنتين في الزوجة، واثنتين في الأخوات من الأم.}

    وذكر في قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ....} أربعاً في الأخوة والأخوات من الأب والأم أو الأب مع عدمهم من الأب والأم.

    وذكر واحدة ـ وهي تمام السبع عشرة فريضة في قوله تعالى: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ....}(27).

    ومجموع آيات الإرث العامة والمفصِّلة مع حذف التكرار خمس آيات أو ست هي الأصل القرآني للإرث في الإسلام، والسنّة فسّرتها أوضح تفسير وتفصيل.

    تاسعاً ـ أهمية علم الفرائض:

    أكّدت الشريعة على الاهتمام بعلم الفرائض وكيفية تقسيمها، فإنّ الفرائض عظيمة القدر حتى إنّها عدّت ثلث العلم، وقد قال النبي 2 : >العلم ثلاث: آية محكمة، أو سنّة قائمة، أو فريضة عادلة<.

    وكان الإرث موضع اهتمام جلّ علماء الصحابة ومن تلاهم ويشكّل معظم مناظراتهم(28)، وكان العديد من مسائل الإرث مثاراً للجدل الحادّ منذ الصدر الأول.

    وقد روي أنّ الفرائض تمثّل نصف العلم(29)، والمراد علوم الشريعة، وهو أول علم ينزع من الناس وينسى، روي عن النبي 2 أنّه قال: >تعلّموا الفرائض وعلّموه الناس، فإنّه نصف العلم، وهو أول شيء ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي<. وروي عنه 2: >تعلّموا القرآن وعلّموه الناس، وتعلّموا الفرائض وعلّموها الناس، وتعلّموا العلم وعلّموه الناس، فإنّي امرؤ مقبوض، وإنّ العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يفصل بينهما<(30).

    وفسّرت الفريضة في هذه الأحاديث بالإرث، ولكن من الممكن أن يراد بالفريضة معنى آخر كالواجب ونحوه.
    _______________________

    (1) في كيفية تقسيم الإرث يوجد خلاف في بعض الصور سنشير إلى بعضها خلال هذا الدراسة بمقدار ما تتسع له دائرة البحث القرآني، وللإحاطة بجميع الصور والتفاصيل تراجع البحوث الفقهية المقارنة.

    (2) جواهر الكلام (النجفي) 39: 10 ـ 11.

    (3]) سورة البقرة، آية 29.

    (4]) سورة الأحزاب، آية 4 ـ 5.

    (5) أي الدية.

    (6) وسائل الشيعة (الحرّ العاملي) 26: 93، ب 2 من ميراث الأبوين والأولاد، ح1.

    (7) الكافي (الكليني) 7: 85، ح2.

    (8) علل الشرائع (الصدوق) 2: 257. وسائل الشيعة (الحرّ العاملي) 26: 95، ب 2 من ميراث الأبوين والأولاد، ح4.

    (9) وسائل الشيعة (الحرّ العاملي) 26: 94، ب 2 من ميراث الأبوين والأولاد، ح3.

    (10) سورة النساء آية، 32.

    (11) سورة النساء، آية 33.

    (12) سورة النساء، آية 34.

    (13) سورة البقرة، آية 216.

    (14) سورة النساء آية، 19.

    (15) سورة النساء آية 1.

    (16) سورة النساء آية، 13 ـ 14.

    (17]) سورة النساء آية، 19.

    (18) سورة النساء، آية، 32.

    (19) سورة النساء، آية، 2 ـ 6.

    (20) سورة النساء، آية، 9 ـ 10.

    (21) سورة النساء، آية 8.

    (22]) مواهب الرحمن (السبزواري) 7: 275.

    (23) سورة الأنعام، آية 94.

    (24) سورة النساء، آية 11.

    (25) سورة النساء، آية 12.

    (26) الميزان (الطباطبائي) 4: 199.

    ([27) فقه القرآن (الراوندي) 2: 325 ـ 326.

    (28]) أحكام القرآن (ابن العربي) 1: 330.

    (29) الجامع لأحكام القرآن (القرطبي) 5: 55 ـ 56.

    (30) الجامع لأحكام القرآن (القرطبي) 5: 56.


  6. #6

  7. #7
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,430

    االموسوعة المسيحية العربية الإلكترونية

    1) العهد القديم.
    أولاً : المدلول القانوني. ورث في العبرية : ن ح ل. ميراث : ن ح ل هـ . تأثرت العبرية البعد بيبليّة بالاراميّة فاستعملت بشكل خاص "ي ر ش" (ورث في العربية) كفعل و "ي ر و ش هـ" (ميراث) كاسم.

    وقد نجد هاتين اللفظتين في الكتابات البيبليّة المتأخرة. إن فعل "ن ح ل" يعني أن هناك وارثًا يرث مع، قد نال حصّته من الميراث. و"ن ح ل هـ" تدلّ على الحصّة التي نالها. رج تث 25:5؛ مز 133:1. لم يترك لنا العالم الاسرائيليّ القديم وصيّات مكتوبة، ومع ذلك فلا شك في أن الأب كان يرتّب أمور بيته قبل أن يموت (2صم 17:23؛ 2مل 20 :1؛ إش 38:1) أي يوزّع الخيرات التي يتركها (تث 21:16؛ سي 14 :13؛ 33 :24). وقد كان يقتسم ماله قبل موته بزمن طويل (طو 8 :21؛ سي 33 :20-24؛ حز 46:16-18؛ رج لو 15 :12). ويستطيع الأب أن يحرم من الميراث ولدًا لا يستحقّ خيرًا (سي 45 :25؛ رج ملا 1 :6). ولكن توزيع الإرث يجب أن يتوافق مع العادة والشريعة.

    هناك ثلاثة نصوص تشريعيّة (تث 21:15-17؛ عد 27:1-11 عد 36:6-9؛ حز 46:16-18) تتحدّث عن الميراث، ولكنها تنظّم فقط الحالات الخاصة.
    وتقدِّم معلوماتٌ ظرفية في التوراة ما يكمّل هذه المعطيات.

    أما القاعدة الاساسيّة فهي أن الأبناء وحدهم يرثون. وللبكر مكانة مميّزة. فهو لا ينال حصتين، ولكن ثلثي خيرات أبيه (تث 21:17؛ رج 2مل 2 :9؛ زك 13 :8). وإذ كان الولدان توأمين، فالبكر هو الذي يخرج أولاً من حشا أمه (تك 25 :19-26؛ 38 :27-30). ورغم الامتيازات القانونيّة التي ينعم بها البكر، نجد أمثلة في التوراة تجعل الثاني يأخذ ميراث البكر، هذا ما عدا عيسو الذي باع ليعقوب حق بكوريّته (تك 25:29-34).

    هذه الحالات تدلّ على مجانيّة الاختيار الإلهي (تك 4 :5؛ 25 :23؛ 37 :3-11؛ 1صم 16:6-13). وقد يخسر البكر حقّه بسبب خطيئة كبيرة، كما حدث لرأوبين (تك 35 :22). وما كانت ترث البنات إلا في غياب الورثة الذكور (عد 27:1-8؛ رج يش 17 :3-6)، وشرط أن يتزوّجن في عشيرة قبيلة والدهنّ لئلاّ ينتقل مال القبيلة إلى قبيلة أخرى (عد 36:1-9؛ رج 1أخ 23:22؛ طو 7:10-13).

    غير أننا نلاحظ شواذين اثنين : راحيل وليئة من جهة (تك 31 :14) وبنات أيوب من جهة ثانية (أي 42:13-15) : فقد نلن ميراثًا مع وجود ورثة ذكور. نحن هنا أمام تذكّر حقبة مضت، نجدها خارج التوراة، حيث الأب الغنيّ يمنح جميع أولاده حصّة في الميراث. وكان "اختصاصيون" يحكمون في الخلافات حين اقتسام الأرض. هذا ما فعله موسى حين أعطى الأرض للقبائل في شرقيّ الاردن (يش 13 :15-32؛ رج عد 32 :1ي؛ 34 :14-15). والعازر ويشوع وموفدو القبائل حين قُسمت أرض غربي الاردن بالقرعة ((عد 26:53-56؛ عد 33:54؛ 34 :13، 16-29؛ 36 :2-3؛ يش 13-18). إذا مات رجل ولم يترك صبيانًا ولا بنات، ينتقل ميراثه إلى أبناء عمه الذكور (عد 27:9-11). فالأرملة لا يحق لها بأن ترث من زوجها.

    ثانيًا : المدلول اللاهوتيّ. إن الاستعمال القانوني للميراث جاء نادرًا في التوراة، وهو في خلفيّة الفهم اللاهوتيّ أو الاستعاري، الذي يظهر في عدد كبير من النصوص.
    (أ) أرض الموعد، ميراث اسرائيل. يقدَّم توزيعُ أرض الموعد بين نسل يعقوب اسرائيل، كما يرتَّب الميراث بعد موت الوالد، بحسب مشيئة الله (عد 34:29). وبما أنه لم يكن لقبيلة لاوي الكهنوتية أرض خاصة بها، جاء التفسير اللاهوتي يقول : "الله هو ميراثهم" (عد 18:20؛ (تث 10:9؛ تث 18:2؛ يش 13 :33؛ حز 44:28). واقتسام الأرض بين بني اسرائيل يفترض أن كنعان هي ملك ابيهم و "ميراث اسرائيل" (قض 20 :6) وميراث يعقوب (إش 58:14) وميراث بيت اسرائيل (حز 35:15). وهذه الأرض تتميّز عن ميراث عيسو (ملا 1 :3) أي أرض أدوم (حز 35:15؛ 36 :12)، وعن ميراث الأمم (إر 12:15؛ رج مز 111 :6).

    أما اسرائيل نفسه فقد نال مع نسله ميراث يهوه الذي ولده كما يلد الأب ابنه (تث 32:6؛ رج خر 4:22-23؛ (إش 63:16؛ إش 64:7؛ (إر 3:4؛ إر 31:9؛ هو 11 :1؛ ملا 1 :6؛ سي 51 :10). عامل الرب شعبه كما يعامل الابنَ المفضَّل، واختار له ميراثًا رفيعًا (مز47 :5). أو هو تبنّى شعبه ليترك له "ميراثًا يكون درّة الأمم" (إر 3:19). لا شكّ في أن كل هذه النظرة تستلهم وراثة الابن من أبيه، مع أن التقاليد التاريخيّة للوعد المُعطى للآباء (خر 32:13؛ مز 105:8-11؛ حز 47:14؛ 1أخ 16:15-18) وللاحتلال (خر 23:10؛ (تث 4:38؛ تث 20:16؛ (مز 47:4-5؛ مز 78:55؛ 351 :10-11؛ 136 :17-22)، قد كان لها أثرها أيضاً. وظلّت النظرة حيّة بعد المنفى. وحسب حز 45:1-7؛ 47 :13-48 :29، قُسمت أرض الموعد قسمة جديدة في الزمن الجديد الذي يبدأ بعد المنفى.

    (ب) الملك، وارث يهوه. إن الميراث الذي عيّنه يهوه للملك، يتضمّن أيضاً مفهومي الابوّة والبنوّة. فحسب 2صم 7:14 (رج (1أخ 17:13؛ 1أخ 22:10؛ 28 :16؛ مز 2:7-8؛ 89 :27-28)، يهوه هو أب للملك، والملك هو ابن يهوه، بل الابن البكر (مز 89:28). وبسبب هذه العلاقة يمنح الربُّ الملكَ ميراثًا مثاليًا يضمّ جميع أمم الأرض (مز 2:8)، أو سلطة على كل ملوك الأرض (مز 89:28). هذا الموضوع هو أحد تعابير الايديولوجيا الملكيّة في الشرق القديم، التي تتضمّن علاقة خاصة بين الملك والاله.

    (ج) اسرائيل، ميراث الرب. إذا كانت أرض كنعان قد اعتُبرت في بعض النصوص ميراث اسرائيل، فهناك نصوص أخرى تجعل من أرض كنعان ميراث الرب، بل تجعل من شعب اسرائيل الذي يقيم في هذه الأرض، ميراث الرب. يعود هذان الموضوعان إلى فكرة سطريّة تتحدّث عن اقتسام الأمم أو الأرض المأهولة بين أبناء الآلهة. فحسب تث 32:8-9 (نقرأه حسب المغارة الرابعة في قمران والسبعينية)، فالاله السامي عليون (الذي تماهى مع يهوه) قد أعطى الامم ميراثًا لبني الآلهة. وقد تمّت القسمة بالنظر إلى عددهم الذي يوافق عدد السبعين أمّة المذكورة في تك 10. في الكتابات البيبليّة، الشعب هو ميراث يهوه ((تث 4:20؛ تث 9:26؛ 1صم 10:1)، هو أرض الربّ (1صم 26:19؛ 2صم 14:16؛ إر 2:7؛ 12 :7). ولكن ارتبط موضوع الميراث والأرض ارتباطاً وثيقًا في إر 12:7-9، مع تشديد لا على نقل الملكيّة، بل على الطابع الثابت والمستمرّ لامتلاك الله لهذه الأرض وهذا الميراث. ففكرة أرض الآباء ترتبط بمدلول الميراث.

    (د) جبل ميراث الرب. رج خر 15:17. هو مقام الربّ. مع أن مز 79:1 يصف الهيكل على أنه "ميراث الرب". لا يبدو أن خر 15:17 يلمّح إلى صهيون، بل هو يدلّ على الأرض المقدّسة (رج إش 57:13؛ مز 78:54-55)، على جبل افرايم الذي أقامت عليه عشائر بني اسرائيل (يش 17:15-18). ونجد عبارة "جبل الميراث" في أدب اوغاريت الميتولوجي، حيث يدلّ على جبل صافون (جبل الأقرع) الذي هو مقام بعل.

    (هـ) الميراث والمصير. تستعمل لفظة "ميراث" بعض المرات في معنى "حظ" و"نصيب" (أي 20 :29؛ 27 :13؛ 31 :2؛ إش 54:17). وفي هذا تلميح إلى حصص الميراث التي تعطى بالقرعة، بالقسمة. وفي معنى أوسع، نستطيع أن نرث الخيرات الروحيّة، "شهادات يهوه" (مز 191:111) أي الخيرات التي يكفلها العهد، من سعادة (أم 28:10) ومجد (أم 3:35). وهناك أيضاً حديث عن ميراث الكاملين (أم 27:18)، ميراث الذين يحبّون الحكمة (أم 8:21)، ميراث الفقراء الذين يرثون "عرش المجد" (1صم 2:8). أما البلداء فيرثون الريح (أم 11:29) أو الجهالة (أم 14:18). وتشكّى أيوب لأنه ورث أشهرًا من خيبة الأمل (7 :3). وآباء الأمم قد ورثوا الكذب (إر 16:19).

    2) العهد الجديد. يذكر العهد الجديد الميراث مرارًا في المعنى العاديّ (مت 21:38؛ مر 12:7؛ لو 12 :13؛ 20 :14؛ غل 4 :1، 30). ولكنه يستغلّ أيضاً موضوع "الوصيّة" (أف 2 :12) الذي يقابل "العهد" في التوراة، ولا سيّمـا في عب 1:2-4 حيث يبدو المسيح وارث الله الشامل. فبحسب بولس، العهد مع ابراهيم هو وصيّة إلهيّة من أجل ابراهيم ونسله أي المسيح (غل 3 :15-18؛ رج مت 1 :1-16) الذي هو "بكر إخوة كثيرين" (رو 8 :29). فهؤلاء الاخوة هم "ورثة الله وشركاء المسيح في الميراث" (رو 8 :17). والايمان بالمسيح يجعلهم بمشيئة الله (غل 4 :7) النسلَ الروحي لابراهيم، و "الميراث حسب الوعد" (غل 3 :29؛ رج عب 6 :12) و "أبناء الوعد" (غل 4 :28). والميراث الذي نتحدّث عنه، ليس أرض كنعان، بل ملكوت المسيح والله (أف 5 :5) الذي هو في السماوات (1بط 1:4). الذي هو الحياة الأبديّة (تي 3 :7؛ رج 1بط 3:7؛ مر 10:17؛ لو 10 :25). مثل هذا الميراث لن يُعطى للنسل بحسب الجسد. فلا حقّ له فيه (1كور 15 :50). وروح الله الذي يمتلكه المؤمنون فيهم هو عربون هذا الميراث منذ الحياة الحاضرة (أف 1 :13-14).

    _________________
    ميراث المرأة المتزوجة

    عد-36-1: وَتَقَدَّمَ رُؤَسَاءُ عَشِيرَةِ جِلْعَادَ بْنِ مَاكِيرَ بْنِ منسى مِنْ عَشَائِرِ سِبْطِ يُوسُفَ وَقَالُوا لِمُوسَى وَقَادَةِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ:

    عد-36-2: «أَمَرَ الرَّبُّ سَيِّدِي أن تُوَزَّعَ الأَرْضُ بِالْقُرْعَةِ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. كَمَا أَمَرَهُ الرَّبُّ أن يُعْطِيَ نَصِيبَ صَلُفْحَادَ أَخِينَا لِبَنَاتِهِ.

    عد-36-3: فَإِذَا تَزَوَّجْنَ مِنْ غَيْرِ سِبْطِنَا فَإِنَّ نَصِيبَهُنَّ يُؤْخَذُ مِنْ مِيرَاثِ آبَائِنَا، وَيُضَافُ إِلَى نَصِيبِ السِّبْطِ الَّذِي تَزَوَّجْنَ مِنْهُ، فَيَنْقُصُ مِيرَاثُنَا.

    عد-36-4: وَمَتَى حَلَّ يُوبِيلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنَّ الْمِيرَاثَ يُضَافُ إِلَى نَصِيبِ السِّبْطِ الَّذِي تَزَوَّجْنَ مِنْهُ، وَبِالتَّالِي يُؤْخَذُ نِصِيبُهُنَّ مِنْ مِيرَاثِ سِبْطِنَا».

    عد-36-5: فَأَوْصَى مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمُقْتَضَى أَمْرِ الرَّبِّ قَائِلاً: «بِحَقٍّ نَطَقَ رُؤَسَاءُ سِبْطِ بَنِي يُوسُفَ.

    عد-36-6: وَهَذَا مَا أَمَرَ بِهِ الرَّبُّ بِشَأْنِ بَنَاتِ صَلُفْحَادَ: لِيَتَزَوَّجْنَ مَنْ حَسُنَ فِي أَعْيُنِهِنَّ، بِشَرْطِ أن يَكُونَ مِنْ سِبْطِ آبَائِهِنَّ،

    عد-36-7: فَلاَ يَتَحَوَّلَ مِيرَاثُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ سِبْطٍ إِلَى آخَرَ، بَلْ يَظَلُّ كُلُّ سِبْطٍ مُحْتَفِظاً بِمِيرَاثِ آبَائِهِ.

    عد-36-8: فَكُلُّ فَتَاةٍ وَرَثَتْ نَصِيباً مِنْ سِبْطِهَا، تَتَزَوَّجُ وَاحِداً مِنْ أَبْنَاءِ عَشِيرَةِ سِبْطِ أَبِيهَا، لِكَيْ يَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَصِيبَ آبَائِهِ.

    عد-36-9: فَلاَ يَنْتَقِلُ مِيرَاثُ سِبْطٍ إِلَى سِبْطٍ آخَرَ، بَلْ يَظَلُّ كُلُّ سِبْطٍ مُحْتَفِظاً بِمِيرَاثِهِ».

    زواج بنات صلفحاد من أبناء عمومتهن

    عد-36-10: فَفَعَلَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى.

    عد-36-11: فَتَزَوَّجَتْ كُلٌّ مِنْ محلة وَتِرْصَةَ وَحَجْلَةَ وَمِلْكَةَ وَنُوعَةَ بَنَاتِ صلفحاد مِنْ أَبْنَاءِ عُمُومَتِهِنَّ،

    عد-36-12: وَهَكَذَا تَزَوَّجْنَ رِجَالاً مِنْ عَشَائِرِ نَسْلِ منسى بْنِ يُوسُفَ فَبَقِيَ نَصِيبُهُنَّ فِي عَشِيرَةِ أَبِيهِنَّ وَسِبْطِهِ.

    عد-36-13: هَذِهِ هِيَ الْوَصَايَا وَالشَّرَائِعُ الَّتِي أَوْصَى بِهَا الرَّبُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى، فِي سُهُولِ مُوآبَ بِجُوَارِ نَهْرِ الأُرْدُنِّ مُقَابِلَ أَرِيحَا.
    ________________


    بنات صلفحاد

    عد-27-1: وَأَقْبَلَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ بْنِ حَافَرَ بْنِ جِلْعَادَ بْنِ مَاكِيرَ بْنِ مَنَسَّى، الْمُنْتَمِيَاتُ إِلَى عَشَائِرِ منسى بْنِ يُوسُفَ، وَهُنَّ: محلة وَنُوعَةُ وَحُجْلَةُ وَمِلْكَةُ وَتِرْصَةُ.

    عد-27-2: وَوَقَفْنَ أَمَامَ مُوسَى وَأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ، وَأَمَامَ الْقَادَةِ وَالشَّعْبِ، عِنْدَ مَدْخَلِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَقُلْنَ:

    عد-27-3: «لَقَدْ مَاتَ أَبُونَا فِي الصَّحْرَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا مَعَ قُورَحَ وَتَمَرَّدُوا ضِدَّ الرَّبِّ، بَلْ بِخَطِيئَتِهِ مَاتَ مِنْ غَيْرِ أن يُعْقِبَ بَنِينَ.

    عد-27-4: فَلِمَاذَا يَسْقُطُ اسْمُ أَبِينَا مِنْ بَيْنِ عَشِيرَتِهِ لأَنَّهُ لَمْ يُخْلِفِ ابْناً؟ أَعْطِنَا مُلْكاً بَيْنَ أَعْمَامِنَا».

    عد-27-5: فَرَفَعَ مُوسَى قَضِيَّتَهُنَّ أَمَامَ الرَّبِّ.

    عد-27-6: فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى:

    عد-27-7: «إِنَّ بَنَاتَ صَلُفْحَادَ قَدْ نَطَقْنَ بِحَقٍّ، فَأَعْطِهِنَّ نَصِيباً مُلْكاً لَهُنَّ بَيْنَ أَعْمَامِهِنَّ. انْقُلْ إِلَيْهِنَّ نَصِيبَ أَبِيهِنَّ.

    عد-27-8: وَأَوْصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أن أَيَّ رَجُلٍ يَمُوتُ مِنْ غَيْرِ أن يُخْلِفَ ابْناً، تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِهِ.

    عد-27-9: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ابْنَةٌ تُعْطُونَ مُلْكَهُ لإِخْوَتِهِ.

    عد-27-10: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِخْوَةٌ، فَأَعْطُوا مُلْكَهُ لأَعْمَامِهِ.

    عد-27-11: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَامٌ، فَأَعْطُوا مُلْكَهُ لأَقْرَبِ أَقْرِبَائِهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ، فَيَرِثَهُ. وَلْتَكُنْ هَذِهِ فَرِيضَةَ قَضَاءٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى».

    خلافة يشوع لموسى

    عد-27-12: وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اصْعَدْ إِلَى جبل عَبَارِيمَ، وَانْظُرْ مِنْ عَبْرِ النَّهْرِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ.

    عد-27-13: وَمَتَى شَاهَدْتَهَا تَمُوتُ وَتَنْضَمُّ إِلَى قَوْمِكَ أَيْضاً، نَظِيرَ أَخِيكَ هَرُونَ.

    عد-27-14: لأَنَّكُمَا فِي صَحْرَاءِ صِينَ عَصَيْتُمَا قَوْلِي، حِينَ تَمَرَّدَ الشَّعْبُ، وَلَمْ تُقَدِّسَانِي أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ، إِذْ لَمْ تَأْمُرَا الْمَاءَ بِالتَّفَجُّرِ مِنَ الصَّخْرَةِ». ذَلِكَ مَاءُ مَرِيبَةَ عِنْدَ قَادَشَ فِي صَحْرَاءِ صِينَ

    عد-27-15: فَقَالَ مُوسَى لِلرَّبِّ:

    عد-27-16: «لِيُقِمِ الرَّبُّ، إِلَهُ أَرْوَاحِ جَمِيعِ النَّاسِ، قَائِداً لِلشَّعْبِ،

    عد-27-17: يَخْرُجُ وَيَدْخُلُ أَمَامَهُمْ، يَقُودُهُمْ وَيُرْجِعُهُمْ لِئَلاَّ تُصْبِحَ جَمَاعَةُ الرَّبِّ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا».

    عد-27-18: فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «خُذْ يَشُوعَ بْنَ نُونَ، رَجُلاً فِيهِ رُوحُ الرَّبِّ، وَضَعْ يَدَكَ عَلَيْهِ.

    عد-27-19: ثُمَّ أَوْقِفْهُ أَمَامَ أَلِعَازَارَ وَأَمَامَ الْجَمَاعَةِ كُلِّهَا، وَأَوْصِهِ بِحَضْرَتِهِمْ،

    عد-27-20: وَسَلِّمْهُ بَعْضَ سُلْطَتِكَ، لِكَيْ يُطِيعَهُ كُلُّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

    عد-27-21: لِيَمْثُلَ أَمَامَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ الَّذِي يَتَلَقَّى الْقَرَارَاتِ بِشَأْنِهِ بِوَاسِطَةِ الأُورِيمِ أَمَامَ الرَّبِّ. فَلاَ يَخْرُجُونَ وَلاَ يَدْخُلُونَ إِلاَّ بِأَمْرِهِ، هُوَ وَجَمِيعُ الشَّعْبِ مَعَهُ».

    عد-27-22: فَأَخَذَ مُوسَى يَشُوعَ وَأَوْقَفَهُ أَمَامَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ وَسَائِرِ الْجَمَاعَةِ،

    عد-27-23: وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَأَوْصَاهُ كَمَا أَمَرَهُ الرَّبُّ.
    ________
    شرائع توريث الأبناء

    تث-21-15: إِنْ كَانَ رَجُلٌ مُتَزَوِّجاً مِنِ امْرَأَتَيْنِ، يُؤْثِرُ إِحْدَاهُمَا وَيَنْفُرُ مِنَ الأُخْرَى، فَوَلَدَتْ كِلْتَاهُمَا لَهُ أَبْنَاءً، وَكَانَ الابْنُ الْبِكْرُ مِنْ إِنْجَابِ الْمَكْرُوهَةِ،

    تث-21-16: فَحِينَ يُوَزِّعُ مِيرَاثَهُ عَلَى أَبْنَائِهِ، لاَ يَحِلُّ لَهُ أن يُقَدِّمَ ابْنَ الزَّوْجَةِ الأَثِيرَةِ لِيَجْعَلَهُ بِكْرَهُ فِي الْمِيرَاثِ عَلَى بِكْرِهِ ابْنِ الزَّوْجَةِ الْمَكْرُوهَةِ.

    تث-21-17: بَلْ عَلَيْهِ أن يَعْتَرِفَ بِبَكُورِيَّةِ ابْنِ الْمَكْرُوهَةِ، وَيُعْطِيَهُ نَصِيبَ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يَمْلِكُهُ، لأَنَّهُ هُوَ أَوَّلُ مَظْهَرِ قُدْرَتِهِ، وَلَهُ حَقُّ الْبَكُورِيَّةِ.
    ____________

    عيسو يبيع بكوريته

    تك-25-27: وَكَبُرَ الْوَلَدَانِ، فَأَصْبَحَ عِيسُو صَيَّاداً مَاهِراً وَرَجُلَ بَرِّيَّةٍ، بَيْنَمَا كَانَ يَعْقُوبُ رَجُلاً هَادِئاً يُقِيمُ فِي الْخِيَامِ.

    تك-25-28: وَأَحَبَّ إِسْحقُ عِيسُو لأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ صَيْدِهِ، أَمَّا رِفْقَةُ فَقَدْ أَحَبَّتْ يَعْقُوبَ.

    تك-25-29: وَذَاتَ مَرَّةٍ عَادَ عِيسُو مِنَ الْحَقْلِ مُرْهَقاً فَوَجَدَ يَعْقُوبَ قَدْ طَبَخَ طَعَاماً،

    تك-25-30: فَقَالَ عِيسُو لِيَعْقُوبَ: «أَطْعِمْنِي مِنْ هَذَا الطَّبِيخِ الأَحْمَرِ لأَنَّنِي جَائِعٌ جِدّاً». لِهَذَا دُعِيَ عِيسُو بِأَدُومَ.

    تك-25-31: فَقَالَ يَعْقُوبُ: «بِعْنِي أَوَّلاً امْتِيَا زَاتِ بَكُورِيَّتِكَ».

    تك-25-32: فَقَالَ عِيسُو: «أَنَا لاَبُدَّ مَائِتٌ، فَأَيُّ نَفْعٍ لِي مِنْ بَكُورِيَّتِي؟»

    تك-25-33: فَأَجَابَهُ يَعْقُوبُ: «احْلِفْ لِي أَوَّلا». فَحَلَفَ لَهُ، وَبَاعَ امْتِيَازَاتِ بَكُورِيَّتِهِ لِيَعْقُوبَ.

    تك-25-34: عِنْدَئِذٍ أَعْطَى يَعْقُوبُ عِيسُو خُبْزاً وَطَبِيخَ عَدَسٍ، فَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ قَامَ وَمَضَى فِي سَبِيلِهِ. وَهَكَذَا احْتَقَرَ عِيسُو امْتِيَازَاتِ الْبَكُورِيَّةِ.
    ________________
    شرائع توريث الأبناء

    تث-21-15: إِنْ كَانَ رَجُلٌ مُتَزَوِّجاً مِنِ امْرَأَتَيْنِ، يُؤْثِرُ إِحْدَاهُمَا وَيَنْفُرُ مِنَ الأُخْرَى، فَوَلَدَتْ كِلْتَاهُمَا لَهُ أَبْنَاءً، وَكَانَ الابْنُ الْبِكْرُ مِنْ إِنْجَابِ الْمَكْرُوهَةِ،

    تث-21-16: فَحِينَ يُوَزِّعُ مِيرَاثَهُ عَلَى أَبْنَائِهِ، لاَ يَحِلُّ لَهُ أن يُقَدِّمَ ابْنَ الزَّوْجَةِ الأَثِيرَةِ لِيَجْعَلَهُ بِكْرَهُ فِي الْمِيرَاثِ عَلَى بِكْرِهِ ابْنِ الزَّوْجَةِ الْمَكْرُوهَةِ.

    تث-21-17: بَلْ عَلَيْهِ أن يَعْتَرِفَ بِبَكُورِيَّةِ ابْنِ الْمَكْرُوهَةِ، وَيُعْطِيَهُ نَصِيبَ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يَمْلِكُهُ، لأَنَّهُ هُوَ أَوَّلُ مَظْهَرِ قُدْرَتِهِ، وَلَهُ حَقُّ الْبَكُورِيَّةِ.





  8. #8
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,430
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله و الصلاة و السلام على اشرف المرسلين و على اله الطيبين و صحابته اجمعين .

    اللهم ارض عن ابي بكر الصديق و عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و على بن ابي طالب و الحسن و الحسين و فاطمة الزهراء و عائشة بنت ابي بكر الصديق و حفصة بنت عمر بن الخطاب و على جميع الصحابة و امهات المؤمنين.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





    ميرَاثُ المَرأة في الفِقه الإِسْـلاَمي ..

    شبهات باطلة وحقائق ناصعة
    .....................
    إهداء
    إلى كل غيورة على دينها و أمتها و وطنها ..
    إليك ياحفيدة "خديجة" و"عائشة" ..
    مقدمة:

    من النادر أن نجد قضية اختلفت فيها وجهات النظر بمثل ما اختلفت وتعددت في ( قضية المرأة ) ، هذه القضية التي تعددت فيها التشريعات ووجهات نظر المفكرين والفلاسفة ودعاة الإصلاح ( ومدعيه أيضا ) على مر العصور حتى وصل التعدد إلى مستوى التناقض والاختلاف الجذري الذي لا إمكان معه للقاء أو اتفاق أو تقارب ... ولا عجب في هذا التعدد والاختلاف وكثرة الكاتبين ، فقضية ( المرأة ) إنما تعني وتخص نصف البشرية ، تعني نصف العمران الإنساني في ماضيه وحاضره ومستقبله ، بل تعني عند التحقيق أكثر من ذلك لأن أوضاع المرأة تؤثر بالسلب والإيجاب على كافة أوضاع العمـران البشري في عمومه ، لأن المرأة لا تعيش منفردة فيه ، إنما هي ( الأم ) لابنها ، و( البنت ) لأبيها ، و( الأخت ) لأخيها ، و( الزوجة ) لزوجها ، وهي تؤثر في هؤلاء جميعهم وتتأثر بهم ، فقضية المرأة ( عند التحقيق ) إنما هي قضية المجتمع البشري كله. و ليس العجب في هذا ، إنما العجب في الضجيج و التهريج المثار حول قضيـة المرأة التي ألقت الجهالة المفرطة بها لدى كثير من الناس ، تحميل الشريعة الإسلاميــــة الغراء أعباء ظلم شنيع ، ونسجت " وهماً " لا أصل له – عند الحديث عن قضية المرأة – في ميراث المـــرأة وعلاقتــه بميراث الرجــل ، وجعــل هـــؤلاء الجهـــّال من قوله تعالى :] لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء : 11 . قاعدة مطردة نافذة في حال كل رجل و امرأة يلتقيان على قسمة ميراث ...
    بل ربما جعلوا من هذا الجزء من آية من كتاب الله تعالى ، ساحة تفكه وتندر ، فيما تقرره الشريعة الإسلامية طبق وهمهم ، من أن الرجل يفوز دائما بضعف ما تفوز به المرأة من حقوق .
    وإزاء ذلك رفع " المتباكون " على المرأة شعار المساواة في الميراث و المناداة بتعديل أو قل إلغاء البقية الباقية الصالحة من قانون الأحوال الشخصية في العالم العربي - ومنها قانون الأسرة الجزائري - ، لتساير " موضة " العولمة والنظام العالمي الجديد .
    لذلك كله أردنا – من خلال هذه المذكرة – أن ندلي بدلونا ، مع محاولة فهم " القضية " من زاوية علمية موضوعية ، إيمانا منّا لما لهذا الموضوع من أهمية بالغة في الساحة النسوية اليوم .
    أولا : أهمية الموضوع
    1- تصحيح الفكر المتشتت بالطرح الغربي وتنوير الطريق المظلم بشبهات العلمانيين الذين سيطروا على صناعة العقول من وقت مبكر ، وتفنيد شبهاتهم الباطلة حول ميراث المرأة .
    2- يعتبر طرح مثل هذا الموضوع طرحا جديا متكاملا أمرا ذا بال في تصحيح مسار البحوث العلمية في هذا المجال .
    3- يعتبر هذا الموضوع ضرورة ثقافية وفكرية تهدف إلى إنصاف المرأة المسلمة من جاهليتي التغريب والتشدد معا ، وتنقية مسيرتها من الشوائب التي عطلت حركتها ، وقيـدت دورها ، وحرمتها حقوقها التي كفلها لها الإسلام ، لتشارك في نهضة مجتمعها وتقدمه.
    4 – استنهاض همم المثقفين واستنفار عزائمهم للمشاركة في قضايا المرأة التي تشابكت حولها التحديات وتفاقمت عليها المشكلات ، وذلك بإيقاد شرارة الفكر السليم والطرح المنير عسى أن يكون ذلك سببا في وعي يرفع عن الأمة هذه الغمة.
    ثانيا : مبررات اختيار الموضوع
    1- النقص الموجود حول هذا الموضوع المهم ، الذي يعد مفصلا من مفاصل قضايا عصرية مطروحة على ساحة التشكيك والتشويش.
    2- الرغبة في تنوير أبصار المخدوعين بالحضارة الغربية والباغين – دوما – للإسلام العيوب.
    3- النية في وضع لبنة في جدار الدفاع عن الإسلام المنيع ، وحث ذوي الفكر والرأي على الكتابة في هذا الموضوع .
    ثالثا : الدراسات السابقة
    في الحقيقة موضوعنا يعد جزئية من قضية كبرى اسمها " قضية المرأة " والتي ثار حولها اللغط والجدل في العصر الحديث ، وقد أشبعت هذه القضية مؤلفات وأبحاثا إلى حد التخمة !!.
    ورغم ذلك فإن موضوعنا لم نجد فيه بحثا أو دراسة مستقلة فأغلب الكتابات إما عن المرأة بصفة عامة مع تناول جزئية الميراث بصفة مقتضبة وسريعة ، وإما كتابات عن الميراث ككل دون الغوص – بجدية – في أعماق هذه النقطة الحساسة '' ميراث المرأة '' .
    من هنا جاءت محاولتنا تداركا لهذا النقص الموجود ، وإثراء لما سبق ، وتوضيحا لحقائق أساسية قد تعالج هذه القضية من منظور علمي حديث .
    وبالتالي فبحثنا ليس تكرارا للبحوث السابقة أو ترداداً للألفاظ والمسائل بلا فهم ولا فقه ، بل محاولة لفك الغموض الذي يكتنف ميراث المرأة في أوساط عديدة ...
    - وانطلاقا من هذا فإن عدة إشكاليات تفرض نفسها علينا في معالجة قضية يركز عليها الإعلام الصهيوصليبي والطابور الخامس ، ويجعلها مصدر اهتمامه وانشغالاته بنفث سمه الزعاف في جسد الأمة المسلمة.
    رابعا : مشكلة البحث
    1- هل للمرأة – ككائن بشري له ميولاته وغرائزه الفطرية – أهلية مالية بالتملك والتصرف؟
    2- كيف نظرت التشريعات القديمة والحديثة إلى ميراث المرأة ؟
    3- وما هي وضعيتها في نظام الإرث الإسلامي ؟
    4- ما هي الشبهات و المزاعم التي أثارها " أدعياء " تحرير المرأة في قضية ميراثها وما الردود عليها ؟
    خامسا : حدود المشكلة
    بحثنا ليس عن الميراث وتفاصيله وتفريعاته الكثيرة ، ولا عن المرأة كقضية متشعبة الحقوق والمتطلبات ، بل إشكالية بحثنا محصورة في ميراث المرأة وما يتعلق به . ولصعوبة الموضوع ، وقلة الكتابات القانونية فيه أو ندرتها هذا من جهة، فإننا لم نكثر من النصوص القانونية التي قد لا تعنينا في بحثنا هذا إلا بقدر الحاجة.
    وبالتالي لن نتعرض لأي نقطة خارج موضوعنا إلا بما يخدم البحث ويزيده قيمة..
    سادسا : المنهجية
    - المنهج التاريخي ، باستعراض المراحل والمقاطع التاريخية لميراث المرأة ، والحالات المختلفة فيها.
    - المنهج الاستقرائي المقارن ، باستقراء النصوص والأفهام والحجج المتنوعة ، مع محاولة المقارنة بينها بكل موضوعية إنصافا للمرأة وإحقاقا للحق .. وقدعالجنا البحث بدءا بــــ :
    الفصل التمهيدي:
    - إطلالة عامة ومسح مكبر للميراث ، كحالة لصيقة بالكائن البشري (المرأة) ، تعريفه ، أهميته...الخ.
    - ومن ثم إشكالية إثبات الأهلية المالية للمرأة التي تسمح لها بالميراث أم لا ؟!
    الفصل الأول:
    - المبحث الأول: استقرأنا التاريخ القديم ، وماذا قدم لنا من إجابات حول الإشكالات المطروحة، ثم عرجنا على التاريخ الحديث ( فرنسا أنموذجا – باعتبارها أم الحضارة المعاصرة المقننة- ) وكيف ورّث المرأة.
    - المبحث الثاني : رأينا كيف نظر الإسلام إلى ميراث المرأة واستعرضنا المراحل المتدرجة لتوريثها.
    الفصل الثاني:
    - المبحث الأول: أثرنا الشبهات والأباطيل التي يرددها أدعياء تحرير المرأة ، لنقض قواعد الميراث الإسلامي ، وتسوية المرأة بالرجل ، واستطعنا أن نحصر ست شبه ينطلق منها هؤلاء، ثم حاولنا نقضها وهدمها بالدليل الساطع والبرهان القاطع ، وهنا نعتذر عن عدم إمكانية ترجمة الشخوص الواردة لصعوبة البحث عنها ، وربما قد يشفع لنا أننا وثقنا المصادر المستلة منها أقوالهم.
    - المبحث الثاني: أجلينا فيه لكل ذي بصيرة حقيقتين مهمتين في الميراث وفي توريث المرأة في الإسلام.
    وفي الأخير ختمنا بحثنا بالنتائج المتوصل إليها وجملة من الاقتراحات والتوصيات المفيدة في هذه القضية.
    سائلين الله عزوجل أن تكون محاولتنا خطوة جادة وهادفة في طريق الأفكار والرؤى التي تخدم ديننا ووطننا.
    18 ربيع الأول 1426 هـ
    26 أبريل 2005 م

  9. #9
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,430
    الفَصْل التَّمْهيدي
    الْميرَاث وأهلِية المَرأة

    المبحث الأول : الميراث بصفة عامة
    المطلب الأول : تعاريف
    المطلب الثاني : أهمية الميراث
    المبحث الثاني : الأهلية المالية للمرأة
    المطلب الأول : أهلية المرأة بالتملك والتصرف

    الفَصْل التَّمْهيدي
    الْميرَاث وأهلِية المَرأة

    المبحث الأول : الميراث بصفة عامة
    الميراث نظام فطري يعتبر سببا من أسباب انتقال ملكية الأموال بعد موت المالك إلى ورثته ، وهذا النظام عرفته أمم الأرض قديمها وحديثها ، وقد وضع له الإسلام نظاما من أحسن النظم المالية وأعدلها على وجه الأرض ، بل هو أحسنها وأعدلها.

    المطلب الأول : تعــــــاريــــــــف
    نذكر هنا جملة من التعاريف المختلفة للميراث :
    أولا- الميراث في اللغة : مصدر لفعــل واحـد هو : ورث ، يرث ، إرثا ، وميراثا .
    قال تعالى : {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} النمل :16. و" الوارث " اسم من أسماء الله الحسنى الذي يعني الباقي بعد فناء خلقه.

    ويأتي الميراث بمعانى أخرى هي : (1)
    الإرث الفطري : وهو انتقال الخصائص والصفات البدنية والطابع النفسي و الأحوال الصحية من الآباء إلى الأبناء ، فهذا يرث من والديه تقاسيم الوجه أو القامة أو لون البشرة وغيرها ، وهذا يرث الذكاء أو البلادة أو اللين أو الشدة ، وآخر يرث أحوالا صحية أو سيئة ...الخ.

    الإرث المعنوي : لقوله صلى الله عليه وسلم : « العلماء ورثة الأنبياء » أي يرثون عنهم العلم يتعلمون شرائعهم ويقومون بالدعوة إلى الله نيابة عنهم

    الإرث المادي : بمعنى انتقال المال ويسمى المال المنتقل ميراثا ، أي انتقال تركة الميت بوفاته إلى ورثته.

    ثانيا- الميراث في الاصطلاح :
    عند الفقهاء اسـم لما يستحقـه الوارث من مورثه بسبب من أسباب الإرث سواءً كان المتروك مالاً أو عقاراً أو حقاً من الحقوق الشرعية (2).
    أما علم الميراث أو علم الفرائض فهو علم من العلوم الشرعية يحتوي مجموعة من القواعد الفقهية والحسابية التي يعرف بها حق أو نصيب كل وارث شرعي من التركة ، ويسمى علم الفرائض ، وذلك أن الفريضة مأخوذة من الفرض أي التقدير وهو النصيب المقدر للوارث قال تعالى : ] مَا فَرَضْتُم [ البقرة:237 . أي ما قدرتم ، ولذلك يسمى العلم بها : علم الفرائض أو علم الميراث (3) .

    المطلب الثاني : أهمية الميــــــراث
    يكتسي الميراث أهمية بالغة في حياة الناس ، لعل أبرزها :
    أولا- الأهمية الاجتماعية
    يعتبر الميراث نظاما اجتماعيا يغرس روح المحبة والترابط الوثيق بين الأقارب وينزع جذور الحسد من النفوس وبذلك يتمنى كل قريب لقريبه نماء ماله ، وكثرة خيره ، لأنه حين يعلم أن له نصيبا في ذلك المال تزداد أواصر الخير ، وروابط الإخاء ، ويعيش المجتمع كله في بوتقة التكافل الاجتماعي .

    ثانيا- الأهمية الاقتصادية
    قسمة التركة ليست مما يهم علماء الفرائض ( = المواريث ) والفقهاء فحسب ، بل لهذه القسمة أهمية خاصة عند المهتمين بالاقتصاد الإسلامي ، أو المهتمين بالاقتصاد المعياري ، أو اقتصاديات الرفاه أو التوزيع .
    وليس من شأن التركة توزيع الثروة بين النــاس ( الورثة ) ، بل من شأنهــا أيضــا توزيــع الثروة بين الجنســين : الذكور و الإناث . ولا تخفى حساسيــــة هـــذا الموضـــوع اليــــوم ، في سيـــاق مؤتمرات المــــرأة وقوانين الأحوال الشخصيــة
    ومقتضيات التنمية والتحضير.
    إن توزيع التركات ليس إلا ضربا من ضروب توزيع الثروات ، التوزيع العادل المبرأ من الهوى والتحيز والاستئثار مع ما لهذا من أثر في توزيع السلطات الاقتصادية ، وفي توزيع السلطات السياسية ، ومن أثر لاحق في توزيع الدخول الناشئة من المال.
    وإذا كان هناك توزيع للثروات بين الأمم ، وتوزيع للثروات بين الأفراد ( ضمن الأمة الواحدة ) ، و توزيع للثــروات بين الأجيال ، فهذا التوزيع الذي نحــن بصــدده إنما هــو توزيع للثــروات بين الجنسين ، توزيع '' جنسي '' إذا جاز التعبير ، أي بين جنس الذكور وجنس الإناث . ولا يجوز للدولة ، ولا الأفراد ( إلا المورث في حدود الثلث ، وهي الوصية ) ، أي تدخل في تغيير أحكام الميراث أو التحايل عليه ، لأنه نظام شرعي ، قرآني في معظمه ، والله تعالى لم يعط قسمة التركة لأحد ، بل تولى سبحانه قسمتها بنفسه ، فبين المستحقين والأولويات والنسب ، بتفصيل لم يعهد في أي باب آخر من أبواب العلاقات المالية.
    والميراث في الإسلام يعدّ من الأدلة التي استدل بها العلماء على إقرار الملكية الفردية ( = الخاصة ) ، فهي في الأصل ملكية خاصة ، ولم تتحول بعد وفاة صاحبها إلى ملكية دولة ، بل بقيت ملكية خاصة ، ضمن نطاق أسرة المتوفى . ويعتبر نظام الملكية ونظام الميراث في الإسلام من أهم العوامل المساعدة على تحقيق العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية ،ورعاية مبدأ المادية.(5)

    المبحث الثاني : الأهلية المالية للمرأة
    الأهلية هي صلاحية الشخص لكسب الحقوق وتحمل الالتزامات ، وأهليته لمباشرة التصرفات القانونية ، التي ترتب الحقوق أو الواجبات ، فالأهلية القانونية نوعان : أهلة الوجوب وهي صلاحيته لكسب الحقوق وتحمل الالتزامات وأهلية الأداء وهي صلاحيته لمباشرة التصرف القانوني الذي من شأنه أن يكسبه الحقوق أو يحمله بالالتزام.(6)ومناط الخلاف بين التشريعات المختلفة في ميراث المرأة يرجع جزء كبير منه إلى أهلية المرأة (تملكا وتصرفا)بالإثبات أو النفي كما سنرى .

    المطلب الأول : أهلية المرأة بالتملك والتصرف
    لقد سوى الإسلام بين الــمرأة والرجـل فيمـا يتعلق بالأهليـة ، وجعل المرأة تتمتع بها منذ الولادة ، بل وقبل الولادة ( أهلية الوجوب فمن حقها التملك ، مع مراعاة وجود القيم على أموالها إلى تمام الأهلية ، أهلية التصرف ) ، ولا فرق بين عنصر الذكورة و الأنوثة في هذا ، ومنحها الشخصية القانونية الكاملة بتمام بلوغها سن الرشد . فلها أن تتصرف في مالها كيف تشاء سواء كان مصدره الإرث أو الهبة أو العمل أو غيرها قال تعالى : {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} النساء:7
    فلها أن تتصرف فيما تملك دون إذن أو إشراف سواء كان ذلك بالبيع أو الهبة أو الوصية أو الإيجار أو التوكيل أو الرهن وسائر التصرفات المالية الأخرى مثلها مثل الرجل تماما.فلا سلطة لأب أو زوج أو ابن أو أخ في أن يمنعها من شيء في هذا ، إلا ما تعارض مع الأخــلاق و المبادئ العامة للإسلام والالتزامات الزوجية .
    في حين أن التشريعات الغربية لا تجيز للمرأة المتزوجة مزاولـــة التصرفات المالية دون الحصول على إذن من زوجها(7) '' ولابد هنا من وقفة عند أمرين بشأن حق الملكية و التصرف حيث كانت شرائع أوربا تحرم المرأة من كل هذه الحقوق إلى وقت قريب وتجعل سببها الوحيد إليها عن طريق الرجل زوجا كان أو ولي أمر ، أي أن المرأة كانت لا تملك من الحقوق ما أعطى الإسلام لها '' (8).
    بينما منحها الإسلام الذمة المالية المستقلة بعد الزواج ، قال تعالى : {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} النساء:7
    فالإسلام منذ أربعة عشر قرنا نادى بالاستقلال المالي للمرأة ، وحرم على الزوج أن يأخذ شيئا من المهر الذي دفعه إلى زوجته ولو كان هذا المهر مبلغا ضخما قال تعالى : {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} النساء: 20
    فإذا كان هذا مع المهر الذي نحلـه إياها فمابالك في ما يدخل في ذمتها الماليــة من أمـوال ، سواء كان ذلك بالهبـة أو الوصية أو الكسب ...الخ.

    يتبع

  10. #10
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,430
    الفصل الأول
    نُظُم إِرث المَرأة المُختلفَة

    المبحث الأول : نظام الإرث غير الإسلاميالمطلب الأول : نظام الإرث قديما
    المطلب الثاني : نظام الإرث حديثا
    المبحث الثاني : نظام الإرث الإسلامي
    المطلب الأول : تدرج التشريع الإسلامي في الميراث
    المطلب الثاني : ميراث المرأة في الفقه الإسلامي

    الفَصْلُ الأَوَّل
    نُظُم إِرث المَرأة المُختلفَة
    المبحث الأول : نظام الإرث غير الإسلامي
    كان الميراث عند الأمم القديمة مختلف الأحوال ، مضطرب الأوصال ، لا تراعى فيه الحقوق ، و لا يتلمسون فيه مواضع الحق والعدالة ، ولا يميزون بين القريب و الأقرب ، و البعيد و الأبعد ، والنسيب و الأجنبي ، ومن هو حق بالميراث من سواه.. ، فالميراث عندهم إن كان جاريا بينهم ، و متعارفا فيهم كان على حسب هواهم ، و كان تصرفهم فيه وفق ميولهم ، فيعطونه لمن شاءوا ، ويمنعونه عمن أرادوا ، فيحرمون من يستحقه ، و يأخذه من لا يستحقه .

    المطلب الأول : نظام الإرث قديمــــــــــــا
    أولا- عند البابليين :
    يعتبر قانون حامورابي ( 1728 – 1676 ق.م ) المرأة كالماشية مملوكة لصاحبها محرومة من الميراث . ولا يستفيد من هذا الحق إلا الذكور و في حال عدم وجود أحدهم تؤول التركة إلى أخ المتوفى . هذا طبقا للمواد 170-171-178-180 من قانون حامورابي (12).

    ثانيا- عند الهنود :
    ورد في مدونة مانو سنة 2000 ق.م أن المرأة ممنوعة من جميع الحقوق بما فيها الميراث باعتبارها كإنسان . بل الأكثر من ذلك أن الهندوس يعتبرون أن الريح السموم و الموت المسموم و الجحيم المحتوم و الأفاعي ليست أسوأ من المرأة . (13)

    ثالثا- عند الصينيين :
    سميت المرأة عندهم بالمياه المؤلمة و اعتبرتها شرا يستبقيه الرجل و يتخلص منه بالطريقة التي يرتضيها، فأنى لها أن ترث؟.(14)

    رابعا- عند المصريين :
    كانت الأرض عندهم ملكا للفراعنة ، وكانت طريقة التوريث في عهد بوخاريس سنة 731 ق.م أن يحل أرشد الأسرة محل المتوفى في زراعة الأرض و الانتفاع بها ولا يفرقون بين الذكر والأنثى و يورّثون الأم والأخوات والعمات (15)

    خامسا- عند الكلدانين و السريان و الفينيقيين :
    يحل البكر من الأولاد محل أبيه و عند عدم وجود البكر يقوم مقامه أرشد الذكور من الأولاد . ثم الإخوة ثم الأعمام و هكذا إلى أن يدخل الأصهار و سائر العشيرة . أما النساء فهن محرومات من الميراث . (16)

    سادسا- عند الساسانيين :
    الفتاة التي تتزوج لا ترث أباها أو كافلها الأول و إذا قصَّر الأب في تزويجها عند البلوغ يكون لها الحق في أن تبادر إلى زواج غير مشروع ، وليس لها الحق في الميراث ، و تعتبر أحط نوع من النساء(17) .

    سابعا- عند اليونان :
    يعتبرون المرأة مخلوقا منحطا لا تصلح إلا للإنجاب .محرومة من الميراث ممنوعة من التصرف ورغم تطور القانون اليوناني على يد صولون إلا أنه كان يحرم البنات من الميراث و يحصره في الأبناء الذكور فقط . و عندما منحت مدينة اسبرطا الحق في الميراث للمرأة أعاب أرسطو ذلك و اعتبر أن سبب سقوط هذه المدينة هو منح المرأة بعض الحق في الميراث (18).

    ثامنا- عند الرومان :
    قانون الألواح يعتبر المرأة مساوية للرقيق و مملوكة مثله لرب الأسرة و ليس لها ذمة مالية مستقلة بل الأكثر من ذلك لزوجها الحق في أن يبيعها و يتم الإرث بموجب تصريح من الموصي الذي يعين الوارث أو الورثة علنا أمام الناس .
    و في عصر قسطنطين (سنة 543) تقرّر ميراثها . و في عهد جوستينيان ظلت قاصرة الأهلية. و قد سَوَّى هذا القانون ميراثها بميراث الذكور دون مراعاة للواجبات والتكاليف. (19)

    تاسعا- عند اليهود :
    اليهود يقدسون المال و يتمسكون به و يمنعون تسربه إلى غير أسرته ( الفروع ) و ( الأصول ) و من أجل ذلك كانوا يحرمون البنت من الميراث إذا كان للميت ولد ذكر كما يمنعون الأم و الزوجة و الأخت من الميراث .
    فإذا مات الأب و ترك ذكورا و إناثا كانت التركة من حق الذكور و للبنات حق النفقة حتى الزواج أو سن البلوغ ، فإن لم يوجد يجعلون للبنت حظا ، على أن تتزوج من رجل من بين أفراد الأسرة حتى لا يؤول الميراث إلى أجنبي .
    أما الزوجة فلا ترث زوجها و لكن لها الحق في أن تعيش من تركة زوجها . والمرأة التي يموت زوجها تعتبر جزءا من ميراث أخ الزوج يتزوجها و إن كانت كارهة ، وبمعنى أدق لا يعتبر هذا الزواج زواجا بل هو ميراث أو بالأحرى إغتصاب ، فهؤلاء اليهود جعلوها مجرد حيوان يرثه أهل المتوفى و لهم مطلق الحرية في التصرف فيه.و قد ذكر مثل هذا الكلام في سفر العدد : '' و تكلم بنو إسرائيل قائلا : أيما رجل مات و ليس له ابن تنقلون ملكه إلى ابنته و إن لم تكن له ابنة تعطوا ملكه إلى اخوته و إن لم يكن له اخوة تعطوا ملكه إلى اخوة أبيه .'' (20) .

    عاشرا- عند المسيحيين :
    تعتبر المرأة جسما نجسا و خطيئة ملعونة و الابتعاد عنها حسنة و اليد التي تلمسها نجاسة لا تطهر أبدا ، إلا أن الإنجيل لم يتعرض للميراث لذلك اتبعوا نفس النظام المعمول به في شريعة اليهود و ما ورد في الشرائع القديمة (21).

    حادي عشر- عند العرب :
    كانت محرومة من جل حقوقها و من بينها الميراث ، بل الأكثر من ذلك كانت تعتبر متاعا يورث كما تورث الدابة. عن ابن عباس رضي الله عن قال : '' كان الرجل إذا مات أبوه فهو أحق بامرأته ، إن شاء أمسكها أو حبسها حتى تفتدي بصداقها أو تموت فيذهب بمالها ''.
    و قال السدّى : '' إن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه فإذا مات و ترك امرأته فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه أو يُنكِحها فيأخذ مهره و إن سبقته فذهبت إلى أهلها فهي أحق بنفسها'' . بل الأكثر من ذلك كانوا يقتلون البنات و يئدونهن مخافة لحوق العار بهم ، إلا أن هذا الوضع لم يكن سائدا عند كافة قبائل شبه الجزيرة العربية و لم تكن كل النساء تورث ، و أول من ورّث المرأة في الجاهلية للذكر مثل حظ الأنثيين هو عامر بن جشم ابن غنم اليشكري فقد ورّث ماله لأبنائه للذكر مثل حظ الأنثيين فوافق الإسلام في ذلك(22).

    المطلب الثاني : نظام الإرث حديثــــــــا
    تميز العصر الحديث بظهور مدارس و أنظمة مجحفة فالنظام الاشتراكي الشيوعي في مبادئه وأصوله الأولى التي وضعها " كارل ماركس " يمنع الملكية الفردية وينكر الميراث ويعتبره ظلما يتنافى مع مبادئ العدالة فلا يعطي أبناء الميت أو أقرباءه شيئا ذكورا أو إناثا .
    ثم عدل عن هذا واعترف بالحق في الميراث وقد أورد ذلك في الدستور الروسي لسنة 1945 من خلال المادة 10 التي تعتبر أن حق الملكية الشخصية للمواطنين في دخلهم وتوفيرهم وكذلك حقهم في إرث الملكية الشخصية حق مضمون بموجب القانون (23).

    أما الرأسمالية فقد أعطت الحرية المطلقة للرجل يتصرف بماله كيف يشاء ، فله أن يحرم أقرباءه من الميراث ويوصي به إلى غريب أو خادم أو حتى حيوان .
    والذي يعنينا في هذا كيف نظرت القوانين الغربية الحديثة إلى ميراث المرأة ،'' فالنظام الألماني سوى بين الذكر والأنثى ، والنظام الأنجليزي قدم الذكور على الإناث ، والإبن الأكبر يقدم على الذكور والإناث'' (24).

    ونظرا لمحدودية المراجع وقلتها فإننا نعتمد في هذا المجال على القانون الفرنسي باعتباره مصدرا لكثير من القوانين الغربية و العربية ، و قبل ذلك نشير إلى أن المرأة في فرنسا إلى غاية الثورة الفرنسية كانت تعتبر إنسانا بلا روح باستثناء السيدة مريم عليها السلام ، و قد اعتبرها آخرون جسما تقمص روح شيطان بل الأكثر من ذلك منهم من شكك في آدميتها ، واعتبرها حيوانا نجسا و مع قيام الثورة الفرنسية نص القانون الفرنسي على أنها ليست أهلا للتعاقد و استمر هذا الوضع إلى غاية 1931 (25) .
    و لعل أهم النصوص التي تعرضت لميراث المرأة في القانون المدني الفرنسي المادة 731 التي جعلت فئات الورثة أربعة :الدرجة الأولى : أولاد المتـوفى ذكـورا أو إناثـا .
    و فصلت المادة 745 ق . م فرنسي هذه الفقرة بقولها :
    يرث الأولاد و أبناؤهم ، والدهم ووالدتهم ، وجدهم وجداتهم دون أي تمييز بين الوارث الذكر و الوارث الأنثى.
    أي أن للذكر مثل حظ الأنثى .الدرجة الثانية : والد الميت ووالدته ، إخوته و أخواته عند عدم وجود أولادله ذكورا أو إناثا .
    فإذا توفي المورث تاركا أخا أو أختا ، إخوة أو أخوات أو أبا أو أما فالتركة تقسم إلى قسمين ، فيأخذ الاخوة والأخوات أو هما معا النصف ، و يأخذ الأب الربع و الأم الربع .الدرجة الثالثة : الأعمام و الخالات و أبناء العمومة في حال عدم وجود وارث شرعي غيرهم
    و نصت أيضا المادة 754 ق.م فرنسي على توريثهم.الدرجة الرابعة : بقية الأقارب .

    و الملاحظ أن القانون المدني الفرنسي منع الزوجة و الزوج من الميراث إلا في حال عدم وجود الفئات السابق ذكرها (26).
    حيث نصت المادة 765 ق.م فرنسي على أنه عندما لا يـترك المتوفى أقارب يرثونه تعود التركة إلى الزوج غير المطلق وعلى قيد الحياة أو الذي لم يصدر أي حكم - حائز لقوة الشيئ المقضي به - ضده بالانفصال الجسماني .

    ولعل ما يمكن تسجيله على القانون الفرنسي في ميراث المرأة ما يلي :
    1- سوى بين الذكور و الإناث . إذ لا فرق بين ذكر و أنثى دون النظر إلى واجبات الذكور المالية .
    2- حجب الأصول بالفروع فالبنت تحجب الأم.
    3- سوى بين ميراث الأم و الأب.
    4- ورث الإخوة و الأخوات مع الأب.
    5- سوى في الميراث بين الإخوة الأشقاء أو لأب ذكورا أو إناثا دون مراعاة لقوة القرابة.
    6- حرم الزوج من حق ميراث زوجته و حرم الزوجة من ميراث زوجها إلا في غياب الأقارب الوارثين .

    المبحث الثاني : نظام الإرث الإسـلامي
    جاء الإسلام بعدله وإنصافه وبحكمته الرشيدة ، فناصر النساء اللائي حرمن من الميراث زمانا طويلا ، وكان التشريع الإسلامي على غاية من الحكمة والعقلانية إذ تخلص من الجاهليات السابقة وعاداتها رويدا رويدا ليسهل قبوله والقيام به حينا بعد حين.

    المطلب الأول : تدرج التشريع الإسلامي في الميراث
    مر تشريع الميراث بمراحل عديدة مراعاة لسنة التدرج المألوفة في الإسلام ، وكانت مراحل تشريعه كالآتي :

    المرحلة الأولى : لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة هو وصحبه الكرام ، تركوا أموالهم و أملاكهم في مكة فتلقاهم إخوانهم الأنصار من أهل المدينة فآووهم ونصروهم وقاسموهم أموالهم ، فصار التوريث بالهجرة والتحالف و الأخوة التي آخاها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين و الأنصار ، قال تعالى : [ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ] الأنفال : 72 (27)

    المرحلة الثانية : ثم شرع الميراث بالوصية الواجبة للوالدين والباقي للأقربين من الولد وغيره .
    قال تعالى : ] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} سورة البقرة : 181(28)

    المرحلة الثالثة : ثم نسخ التوارث بالمؤاخاة والتحالف ، بالقرابة والرحم قال تعالى : ] وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الأنفال :75 (29)
    المرحلة الرابعة : وفيها شرع الميراث بالقرابة دون تفصيل ، وجعل للنساء حظوظا في ذلك ، قال تعالى : {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} النساء : 7 "...روي أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما أبناء عم الميت ووصياه يقال لهما : سويد وعرفجة ، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا .وكانوا في الجاهلية لايورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا ويقولون : لانعطي إلا من قاتل على ظهور الخيل ، وطاعن بالرمح ، وضارب بالسيف ، وحاز الغنيمة .فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما فقالا : يا رسول الله ولدها لايركب فرسا ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا فقال : « انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن » فأنزل الله هذه الآية ...

    وفي هذه الآية ثلاث فوائد :
    إحداها : بيان علة الميراث وهي القرابة .
    والثاني : عموم القرابة كيفما تصرفت من قرب أو بعد.
    والثالث : إجمال النصيب المفروض ...'' (30)

    وقد كانت هذه الآية كالمقدمة ، إذ جاءت مجملة وما تلاها مفصلا لقصد تهيئة النفوس.المرحلة الخامسة : وكان بينها وبين المرحلة السابقة أيام معدودة فقط ، وكان في هذه المرحلة تعيين الورثة وتحديد الأنصبة فنزل قوله تعالى :{يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ } النساء :11 ، 12

    وروي في سبب نزولها: ''..أن امرأة سعد بن الربيع قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن سعدا هلك وترك ابنتين وأخاه فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد ، وإنما تنكح النساء على أموالهن فلم يجبها في مجلسها ذلك ، ثم جاءته فقالت يا رسول الله ابنتا سعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادع لي أخاه فجاءه ، فقال ادفع إلى ابنتيه الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي ، ونزلت آية الميراث : [ يوصيكم ... ] ..'' (31)

    ويستغرق هذا التفصيل آيتين : أولاهما خاصة بالورثة في الأصول والفروع والثانية خاصة بحالات الزوجية والكلالة ، ثم تجئ بقية أحكام الميراث في آخر آية في السورة استكمالا لبعض حالات الكلالة وهي قوله تعالى : {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَااثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} النساء : 176 .

    ونلاحظ أن آية الميراث ، أنزلها الله عز وجل إنصافا للمرأة المظلومة ، وأغلب من ذكر فيها من الورثة هم من النساء بل السورة بأكملها سميت سورة النساء ولا توجد في القرآن سورة واحدة تسمى سورة الرجال ، فهل بعد هذا البيان من بيان ؟! ..

    وابتدأت الآيات بالتنويه بالوصية وأن الله هو الذي أوصى وليس غيره، وأوصى من؟أوصى الوالدين،أوصاهم بماذا ؟ بأولادهم ! فقال : [ يوصيكم الله في أولادكم ] وقال: '' في أولادكم ولم يقل في أبنائكم لأن لفظ الولادة هو الذي يليق بمسألة الميراث ففي تخصيص هذا اللفظ فقه وتنبيه ، أما الفقه فإن الأبناء من الرضاعة لا يرثون لأنهم ليسوا بأولاد وكذلك الابن المتبنى فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنى زيدا قبل نسخ التبني فكان يقول أنا ابن محمد ولا يقول أنا ولد محمد ولذلك قال سبحانه :{وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ }النساء: 23 . لأن الولد لا يكون إلا من الصلب أو أن لفظ الأولاد يقع على الذكور و الإناث حقيقة فلذلك عدل عنه إلى لفظ الأبناء في آية التحريم و أما في آية المواريث فجاء بلفظ الأولاد تنبيها على المعنى الذي يتعلق به حكم الميراث وهو التولد فالماء حياة البشر كما أن الماء حياة
    الشجر'' (32).
    و '' ( في ) هنا للظرفية المجازية ، جعلت الوصية كأنها مظروفة في شأن الأولاد لشدة تعلقها به كاتصال المظروف بالظرف ، وجملة [ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ] بيان لجملة ( يوصيكم ) لأن مضمونها هو معنى مضمون الوصية ... وتقديم الخبر على المبتدأ في هذه الجملة للتنبيه من أول الأمر على أن الذكر صارله شريك في الإرث وهو الأنثى لأنه لم يكن لهم به عهد من قبل ، إذ كان الذكور يأخذون المال الموروث كله ولاحظ للإناث ...

    وقوله تعالى: [ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ] جعل حظ الأنثيين هو المقدار الذي يقدر به حظ الذكر ، ولم يكن قد تقدم تعيين حظ الأنثيين حتى يقدر به ، فعلم أن المراد تضعيف حظ الذكر من الأولاد على الأنثى منهم ، وقد كان هذا المراد صالحا لأن يؤدى بنحو : للأنثى نصف حظ ذكر ، أو للأنثى مثل حظ ذكر ، إذ ليس المقصود إلا بيان المضاعفة ، ولكن قد أوثر هذا التعبير لنكتة لطيفة وهي الإيماء إلى أن حظ الأنثى قد صار في اعتبار الشرع أهم من حظ الذكر ، إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظها في أول ما يقرع الأسماع'' (33)

    وتختم الآيــة بقولـــه تعالى : [ تتِلْكَ حُدُودُ اللّـــهِ وَمَن يُطِـــعِ اللّـــهَ وَرَسُولَـهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـــاتٍ تَجْـــرِي مِن تَحْتِهَـــا الأَنْهـــَارُ خَالِــدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفـــَوْزُ الْعَظِيــــمُ وَمَن يَعْصِ اللّــهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ] النساء :13 ، 14 أي تلك الفرائض وتلك التشريعات ، التي شرعها الله لتقسيم التركات ، وفق علمه وحكمته ، ولتنظيم العلاقات العائلية في الأسرة ، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع .. تلك حدود الله .. حدود الله التي أقامها لتكون هي الفيصل في تلك العلاقات ، ولتكون هي الحكم في التوزيع والتقسيم ، ويترتب على طاعة الله ورسوله فيها الجنة والخلود والفوز العظيم ، كما يترتب على تعديها وعصيان الله ورسوله فيها النار والخلود والعذاب المهين ) .

    ويجدر التذكير أيضا بأن " الزوجة " كانت تورث ولما جاء الإسلام أبطل هذه العادة ، '' ..أخرج البخاري عن ابن عباس قال : « كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} النساء : 19 ... وروى الطبري من طريق ابن جريج عن عكرمة أنها نزلت في قصة خاصة قال : نزلت في كبشة بنت معن بن عاصم من الأوس وكانت تحت أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها ، فجنح عليها ابنه ، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي ولا تركت فأنكح فنزلت هذه الآية'' (34)
    وهكذا تقرر ميراث الميراث بتدرج وحكمة ، بعد أن كانت المرأة من سقط المتاع صارت وارثة ونصيبهامحدد ومقدر، ومن يتعدى عليها في ذلك فمصيره النار..

    يتبع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •