الاهداءات

النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: تطور الخطابة الإسلامية

  1. #1
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,389

    تطور الخطابة الإسلامية

    تطور الخطابة الإسلامية

    الخطابة هی احدی الفنون الادبیة التی کا ن لها الدور الاساس في بثّ الدعوة النبوية ولولا فصاحة الرسول الاکرم وبلاغة لسانه لما أُستجیبت من قبل الجمهورالفصیح آنذاک .

    وکما نعلم کانت مکانة الخطابة والشعر رفیعة المستوی فی عصر ماقبل الاسلام والعصرالاسلامی ، فلهذا نری الاعجازالنبوی اعجاز ادبیّ سماویّ یتحدی الجمیع ولم یستطع شخص الاتیان بمثله ولو بایة واحدة، فلقد عجز کبار الخطباء والبلغاء تحدی القران الکریم ، .

    ونحن فی هذا المقال الوجیزتحدثنا عن الخطابة وتعاریفها الّتي وردت فی کتب الادب العربی نشأتها وتطورها في العصرالجاهلِي مع ذکر لاغراضها، وبعد ذلک تحدثنا عن النثرالفني في عصر صدرالاسلامِ واسالیبه وذکرنا اهمیّة الخطابة من خلال النص القرآني، .

    ثم أتینا باغراض الخطب الاسلامیّة، فمنها دینیة، ومنها عسکریّة وجهادیّة وأخری سیاسیّة، مع نماذج مختصرة، وفی ختام هذه المقدمة اذکر بانه لانقصد من الخطابة الاسلامیة خطابة العصرالاسلامی بل کل ما یتعلق بالخطب الاسلامیة دون تحدیدعصر.

  2. #2
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,389
    تعريف الخطابة :

    عُرِّفت الخطابة بتعاريف عدیدة ، لا يتباعد بعضها عن بعض ولكن منها ما ليس جامعاً لكل أنواع الخطبة وجزيئياتها، ومنها ما ليس مانعاً من دخول أشياء معها مثل : الوصايا والدروس والإعلانات وماشابه هذا.

    وقد وردت تعاریف کثیرة للخطابة نأتی بنماذج منها:

    الخطابة : فن مخاطبة الاخرین بطریقة القائیّة تشتمل علی قوّة تتکلّف الاقناع الممکن فی کل واحد من الامور المفردة، وهو ما یسمّی بالیونانیة الروطوریقا».[1]

    ویقول الاستاذ ابراهیم البدوی:« إنّ الخطابة إحدی الفنون الراقیة التی یحتاجها الانسان خاصةً العلماء والمفکرین ومبلغیي الرسالة الإلهیّة وخدمة أهل الوحي والائمة والسائرین علی درب الإصلاح والتحریر والسالکین طریق القیادة والتدبیر...».[2]

    ویقول ایضاً: « والخطابة فی الحقیقة فن الانسان فی عملیة التأثیرعلی الإنسان الآخرفی کلّ القضایا المتصلة بحیاته المفتحة علی المسؤولیة العامّة فی حرکته فی المسیر، فی الدنیا والآخرة».[3]

    والخطابة هي أشدّ الانواع الادبیة التزاماً، لأنّّها تهدف ابداً الی التأثیر والإقناع، معبّرةً عن عقیدة الخطیب ورأیه فی مشکلات الموجود، تشتدّ بإشتداد الأزمات الّتي ترتبط ارتباطاً جذریّاً بمصیر الجماعة وتقریر مستقبلها وترجحها بین النزعات والتیّارات التی تحدق بها...».[4]

    « الخطابة کانت من الفنون الأدبیّة التي بلغت من الکمال حدّاً بعیداً وفی الیونان قد بلغوا بهذا الفن وذلک ، لأنّ خطوطهم السیاسیّة کانت ترتکز الی حدّ بعیدعلی قدرتهم الخطابیّة...».[5]

    الخطابة:« هي شئ فی جمیع الامم وبکل الاجیال إلیه اعظم الحاجة حتی الزنج الّذین کانوا رعاةً والفلاحیین».[6]

    وجاء في کتاب صناعة الخطابة للسید عبد الحسین القزویني في تعریف الخطابة:« أنّهاضرب من الکلام غایته التأثیر فی الجمهور عن طریق السمع والبصر وهي فطریّة فی الانسان کالنطق ».[7]

    وبعد ذکرما ورد من تعاریف للخطابة نلاحظ أنّ الخطابة هی من اهمّ الفنون الادبیّة الّتي تهدف الی إیصال خبرٍ أوفکرةٍ ما لجماعة من المستمعین علی نحو مؤثر ومقنع ، وهکذا نری الإقناع والتأثیر هما غایتا الخطابة ومحوراها الرئیسیان، قال الله تعالی فی محکم کتابه:« وعظهم وقل لهم فی أنفسهم قولاًٌبلیغاً».[8]

    وأیضاً من غایاتها إرشاد الناس الی الحقائق وحماهم علی ماینفع فی العاجل والآجل، وهي معدودة من وسائل الریاسة والزعامة، وکانوا یعدّونه شرطا ًللإمارة فهی تکمل الانسان وترفعه الی قمم المجد والشرف والعزّة.


  3. #3
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,389
    نشأة الخطابة العربیّة:

    مما لا شکّ فيه أن عرب ماقبل الاسلام كانت لهم خطب قوية وأنهم اعتمدوا عليها في مواقفهم الهامة والمصیریّة واستعملوها في مجتمعاتهم ودعواهم للحرب والغزو أو السلم والسلام فقد ذهب الكثير من هذه الخطب مع الزمن وحفظ لنا التاريخ قليلاً منها كما حفظ أسماء خطباء كانوا مشهورين ولم يبقَ من خطبهم شيء وذلك لفشوّ الأمية ، وبُعد الزمن.



    وقد كانت أسباب الخطابة متوفرة لعرب ما قبل الاسلام أي الجاهلية، فهم متمتعون بحرية قلما توفرت لغيرهم ولهم مقدرة قوية على الحديث، واللغة العربية ذات نغم يثير المتكلم والسامع ويبعث الخطيب على الاستمرار في حديثه ولهذا كانت لهم مقدرة على الکلام المرتجل ومواجهة المواضیع التي تطرأ من غير أن يكونوا قد اعدوا له حديثاً من قبل، وعلی هذا النمط الارتجالي تأتي على السنتهم العبارات البليغة والحكم الصائبة .


    قال الجاحظ : « فما هو إلا أن يصرف العربي همه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذي إليه يقصد فتأتيه المعاني إرسالاً وتنهال عليه الألفاظ انتهالاً "»[9] ولا يعني هذا أن کلّ خطابهم كانت مرتجلة.


  4. #4
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,389
    أغراض الخطابة الجاهلیّة:

    دارت الخطابة الجاهلیة فی نطاق البیئة الّتي نشأت وترعرعت فیها، فکانت خطابة بطولة وفروسیّة یفوه بها الخطباء للدعوة الی القتال والحضّ علی النزال، وکانت خطابة دفاعٍٍٍ أو صلحٍ وسلام؛ وکانت خطابة مفاخرة أو منافرة أمام حکم یحکم، أو في حضرة ملکٍ تمیل بمیله کفّةُ المیزان.[10]

    وکانت خطابةُ زهدٍ تدعو الناس الی الصدوف عن بهارج الدنیا والتعلّق بحبال الاخرة؛ وکانت خطابة کهّان یسجعون سجع الحمام فی سبیل هدف غیبيّ یُطلقون وراءَه الاقاویل ، وینصبون علی جوانبه الأحابیل؛ کانت خطابةُ زواج یُعقَ ویبارک، أو خطابةُ موتٍ یُلمّ فیفجع، ویرمي القلوب في هوّةٍ سحیقةٍ من الحزن، ویحمل علی التأمّل في حقیقة الوجود؛وکانت اخیراً خطابة وصایا یتوجه بها الطّاعنون في السنّ الی أبنائهم أحفادهم للسیربهم فی سبیل الخیر والشرف...[11].

    وأما قیمةُ هذه الخطب من حیث الفصاحة والبلاغة نجدها في ذروة البیان خاصة عند الکهّان واشباههم من الذین یتسلّحون بذرابة اللسان وعنف البیان، ونستطیع القول بأنّ الأمة العربية قد بلغت من الفصاحة والبلاغة والبيان ما لم تبلغه أمة من الأمم قبلها أو بعدها وكان الشعراء والبلغاء هم فخر القبيلة وعزها ومجدها وإذا قالوا فقولهم كان بمثابة التنزيل عند أقوامهم وإذا تكلموا فكلامهم رافع خافض ، وبلغ من عز الكلمة وشرفها ومكانتها أن كانت تعلق في جدران الكعبة أقدس مكان عندهم وأعز بنيان لديهم وكان من أشهر خطباء العرب : قس بن ساعدة الإيادي ، وقیس بن خارجة بن سنانة خطيب داحس والغبراء ، وعتبة بن أبی ربیعة، سهیل بن عمرو الأعلم، ونفیل بن عبد العزّی، وابوعمّار الطائي، وهانی بن قَبیٌصة، وسعد بن الربیع .



    ... نموذج من خطب الجاهلیة لقسّ بن ساعدة الإیادي:

    هوخطیب العرب قاطبة، وبه یضرب المثل في البلاغة والحکمة کان یدین بالتوحید، ویؤمن بالبعث، ویدعوالعرب إلی نبذ العکوف الی الاصنام وعبادتها، ویهديهم ویرشدهم الی عبادة الخالق.


    ومن خُطَبِه التي خَطبها في سوق عکاظ قبل البعثة النبویّة نأتي بهذا الخطبة کنموذج للخطب الجاهلیّة وهي:
    أیّها النّاس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات : وکلّ ما هو آتٍ آت، لیلٌ داجٍ ونهارٌساجٍ وسماءٌ ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحارٌ تزخر وجبال مُرساة، وأرض مُدحاة وأنهار مُجراة، إنَّ في السماء لَخبرآً و إنَّ في الأرض لعِبراً ما بال النّاس یذهبون ولایرجعون أَرضوا فأقاموا؟ أم تُرکوا فناموا؟


    یقسم بالله قسماً لا إثمَ فیه إنَّ لله دیناً هوأرضی لکم وأفضلُ من دینکم الذي أنتم علیه، إنکم لتأتون من الأمر منکراً.[12]



    نلاحظ في هذه الخطبة المذکورة أعلاه أنّ خطیب العرب وحکیمها یعتمد علی اسلوب السجع الموسیقيّ بعبارات قصیرة وتشابیه واستعارات کثیرة ، شدیدة الوقع في قلب السامع وعاطفته.


    یقول الفاخوري :«انّه ینقض بخطبه علی سامعیه انقضاضاً لکي یقتلعهم من ذواتهم المادیّة وینلهم الی ذواتهم الروحیّة فیرتفعوا من صَنَمیّتهم الی عبادة الله الحقّ.
    وهکذا فخطابته رسالة تبشیریّة تُوقظ الضمائر وترغب في الخیر والحسنی.[13]


  5. #5
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,389
    الخطابة الاسلامیة وأنواعها:
    قبل الدخول فی الکلام حول الخطابة فی صدرالاسلام ومواضیعها رأیت من المستحسن ان اتحدث بصورة موجزة عن النثرالفني فی هذا العصر:

    النثر في عصر صدر الإسلام:

    ذکرنا فی ما سبق أنّه کان للعرب نثرلم یصل الینا منه الکثیرإلا ما رُوي من أمثالهم وحکمهم ووصایاهم وخطبهم ومنافراتهم ومفاخراتهم ومحاوراتهم ونثرکهّانهم المسجّع، ثمّ جاءت الدعوة الاسلامیّة ونزل القران الکریم بلسان عربيٌّ مبین علی ید نبیّ أمین، واختلف العرب حیال ما وصل الینا من نثرجاهليّ بین مکّذبٍ ومصدّق فازدادت دواعي الحجاج والکلام والخطابة، وأخذ یزدهر وینمو ویسمو ویقوی.



    ولقد کان فی کلام الباري عزّوجلّ والحدیث النبويّ ألوان رائعة کثیرة من المعاني الشریفة والأسالیب الرائعة والالفاظ الساحرة الخلّابة فاقتدی بهما العرب ، ونهلوا من موردهما، وأخذوا یصوغون أدبهم علی مثالها، فاتسعت أغراض النثر واستحکمت أسالیبه وعذبت ألفاظه وعمقت معانیه.



    ومن الجدیر بالذکر أنّ القران الکریم والحدیث النبویّ الشریف جعلا للنثر دولة و وضعاه في مکانة أسمی من مکانة الشعر ، فاصبح هو اهم ّألوان الادب في ذلک العصر.

  6. #6
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,389
    ما هي مواضیع النثر الفني في هذا العصر؟

    شملت موضوعات النثر الفنی في هذا العصرما یلي:

    1- الدعوة إلی العقیدة الإسلامیّة وبیان مبادئها وغایاتها وأهدافها المثلی الکریمة.

    2- بیان السیاسة الشرعِية والاجتماعیّة.

    3- الخطابة في الأمور الجامعة والحوادث الماجئة وفي المناسبات الکثیرة.

    4- اصبح أداة الدعوة والدولة ولسان المدنیّة الإسلامیّة کافة.

    5- کتبت به الرسائل الدینیّة والسیاسیّة.

    معاني النثر الإسلامي في هذاالعصر:

    1- کانت تتبع من مَعین النبوة وأدب القران الکریم من الدعوة إلی التوحید والخُلق والفضیلة والحقُ والخیر والإخاء الإنساني وتقریر الایمان بالله وأنبیائه وکتبه وملائکته والیوم الآخرة.

    2- کانت معانیه تصدر عن عقل خصب وذهن متوقّد وتفکیر منظم.

    3- وتمتاز بحرارة الایمان وقوّة العقیدة فیها وبغلبة الروح الدینی علیها.

    4- وهي فوق هذا کلّه صورة للحیاة في هذا العصر الکریم بما اشتمل علیه من فتوحات وإنتصارات وأحداث سیاسیّة وثدرات فکریّة وإجتماعیّة.[14]

  7. #7
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,389
    أسلوب النثر الاسلامي:

    جاء فی کتاب الحیاة الأدبیّة بعد ظهور الاسلام للخفاجي أنّ النثر الاسلامي إمتازاسلوبه بحسن السبک وجمال رصفه وقوّة نظمه وإحکام فصوله والتئام أجزائه وذلک من تأثرهم بالقران الکریم والحدیث النبویّ الجلیل ؛کما یمتاز ببعده عن الغرابة والاستکراه والسجع المتکلّف والخطأ في مقامات الکلام ومقتضیات الأحوال ؛ کما یمتاز بکثرة مافیه من اقتباس من القران وکلام الرسول صلّی الله علیه وآله وسلّم وبقوّته و وضوحه وجلاله وسلاسته مما تجده واضحاً في الآثار الفنیّة الأدبیّة الّتي حفل بها هذا العصر[15]

  8. #8
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,389
    الخطابة الإسلامیّة:

    فجّر الإسلام الکثیر من الطاقات البشریّة الکامنة عند الإنسان العربیِّ حین تجسّد في عقولهم وصدورهم؛ بمعنی أنّ الدین الجدید قدّم لهم الحوافز الفکریّة والوجدانیّة لتظهر فصاحتهم وبلاغتهم الأدبیّة بأجلی مظاهرها في هذا العصر ، ثمّ إنّ التبدّل السیاسي والاجتماعي والاقتصادي في حیاة الناس جاء لیشحّذ أذهانهم ویکثر من دواعي القول عندهم، وذلک حین أصبحت الخطابة لسان الدعوة الإسلامیّة وأداتها الأولی الّتي تد عو العرب إلی نبذ العقائد الجاهلیّة، وتحثّهم علی الدخول في الإسلام واعتناقه الّذي یخرجهم من الظلمات إلی النور؛ کما کان من الواجب علی الر سول وخطبائه أن یردّوا علی وفود القبائل العربیّة وخطبائهم للکشف عن أکاذیبهم وإظهار مفاسدهم الّتي یقیمون علیها وشرح محاسن العقیدة الاسلامیّة الّتي تضمن لهم العزّ في الدّنیا والسعادة في الآخرة.

    ولها دورها الخاص في الحیاة الیومية للمسلمین لتقریب تعالیمها إلیهم وتعمیق فهمهم لدینهم الجدید وتبین أحکامه في الحلال والحرام وتنظیم علاقاتهم ومصالحهم، وحلّ مشاکلهم في ضوء مبادئه وأحکامه.



    وکان للخطابة دور هام في موضوع الجهاد والفتوحات الاسلامیّة حین کان القادة والمرشدون الدینیون یلهبون مشاعر عساکرهم بما أعدّ الله من خیر للمجاهدین والشهداء فیتسابقون إلی میادین الحرب والقتال من غیر خوف أو رعب یرُجف الصدور لتحقیق النصرأوالشهادة في سبیل الله، کلّ هذا الایمان مرضاةً لله جلّ وعلا «عجلّتُ إلیک ربّي لترضی»[16]


  9. #9
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,389
    أهمية الخطابة من خلال النص القرآنيّ :

    لقد نوه القرآن الكريم على مدى عظم البيان بالقول وصلته بالرسالات والدعاة في غير ما موضع فمن ذلك أن الله عز وجل كرّم الإنسان وامتنّ عليه بأن جعل له جزءاً من أعضائه يستطيع به البيان والإفصاح عن مراده والتعبير عن شعوره وأفكاره ، قال الله تعالی: « ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين»[17] ومما يبين قدر هذه النعمة والإحساس بعظمتها النظر إلى من حرمه الله من هذه النعمة أو من بعضها ، فعندما عرَّض عدو الله فرعون بعلة لسان رسول الله موسى فيما حكاه القرآن من قوله : « أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين».[18]

    عندما حدث ذلك وبعد أمر الله عزّ وجلّ موسى بدعوة فرعون ومن معه دعا ربه أن يؤيده بأخيه هارون قال عز وجل :« قال ربي أني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لسان فأرسل إلى هارون ».[19]

    وقال تعالي حاكياًعن لسان موسی:

    « وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني أني أخاف أن يكذبون* قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ»[20] ، فكانت فصاحة أخيه من عوامل ترشيحه للرسالة وشد عضد أخيه.



    وفي قُدوم وفد بني تميم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - صورةٌ واضحةٌ لعِظم أثر الخطابة في الدعوة الإسلامية، وقد ساقها المفسرون والمؤرخون: أنهم قدموا عام الوفود واجتمع الناس في المسجد، ونادَوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخرج إليهم وهم المعنيون بقوله تعالى: «ِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ» [21].

    فلما خرج إليهم قالوا: جئنا نفاخرُك ونشاعرُك بخطيبنا وشاعرنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما بالشعر بُعِثْت، ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا».
    فقال الزبرقان بن بدر لشاب: «افخر واذكر فضل قومك»، فقال: «الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه، وآتانا أموالاً نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض، من أكثرهم عددًا ومالاً وسلاحًا، فمن أنكر علينا فليأتِ بقولٍ هو أحسن من قولنا، وفعلٍ هو أحسن من فعلنا».

    فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس بن شماس - وكان خطيبه : «قم فأجبه»، فقال: «الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، دعا المهاجرين من بني عمِّه أحسن الناس وجوهًا وأعظمهم أحلامًا فأجابوه، والحمد لله الذي جعلنا أنصارَ دينه، ووزراء رسوله، وعِزًا لدينه؛ فنحن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمَن قالها منع نفسه وماله، ومن أباها قتلناه، وكان غرمه علينا هينًا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات».



    ثم قام شاعرهم فأنشد، ثم أجابه حسان - رضي عنه - فقال الأقرع بن حابس - رئيس الوفد: «والله، ما أدري: ما هذا الأمر؟ تكلم خطيبنا فكان خطيبُهم أحسنَ قولاً، وتكلم شاعرنا فكان شاعرُهم أشعرَ وأحسَنَ قولاً"، ثم دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأنك رسول الله».[22].



    وإننا نلاحظ مدی اهمیة الخطابة ودورها البنّاء في نشرالدین الجدید وهي إحدی الفنون الادبیّة الّتي ساهمت بصورة میاشرة وفعّالة في تثبیت الإسلام و إحکام بنیانه ونشره فی الجزیرة العربیة ومن ثم بثه في ارجاء المعمورة ولولا وجود الخطباء الاکفیاء لما انتشرالاسلام هذا الانتشارالواسع ولما ا حتلّ هذه المکانة المرموقة في صدور الناس وعقولهم ، نعم ، وجود خطباء کفء في مقدمتهم من أُنزل علیه کلام الله الذي هدی به البشریّة من الظلمات الی النوروهو الرسول الأکرم محمّد صلی الله علیه وآله وسلّم ینطق بلسان عربیّ مبین، یقو ل تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» [23]، .


    أي: البيان الذي يصحبه الإقناع ويثمر الاستجابة كما عاب العجز عن الإبانة في مقام الخصومة وإثبات الحجة في قوله تعالى عن النساء: «أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ» [24]، أي: لعجزهن عن مواجهة الخصم وإقامة الحجة.


  10. #10
    المدير العام الصورة الرمزية م . احمد
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    6,389
    أنواع الخطابة الاسلامیة:

    تعددت انواع الخطابة ومواضیعها في العصرالاسلامي ، فهي تُلقی في کثیر من المحافل الاجتماعیّة والسیاسیّة والدینیّة والادبیّة وغیرها ، فاصبحت تتماشی ومقتضیات الحال فمنها خطب دینیّة وخطب سیاسیّة، وجهادیّة، والعسکریة، والقضائیّة، والتأبینیّة وغیرها ولکن نحن لسنا بصدد التعریف بها کلها، بل سنتحدث عن اهمّ انواع الخطابة التي لعبت دوراً ممیزاً وهامّاً في توسیع ونشر الدین الجدید الاسلامي مع ذکر نماذج من فحول الخطباء الاسلامیین علی رأسهم الرسول الاکرم صلی الله علیه وآله وسلّم وفی مایلي شرح لبعض انواع الخطب الاسلامیّة:

    1-الخطابة الدینیّة:

    من اهمّ الخطب الاسلامیّة تلک الّتي کانت تُلقی علی مسامع النّاس لإرشادهم الی الله عزّ وجلّ وبیان احکام دینه. وقد وردت تعاریف متعددةللخطب الدینیّة في عدید من الکتب الادبیّة نأتي بعضٍ منها: الخطب الدینیّة:«هي الخطب الّتي تُلقی في المساجد والکنائس ، متعمدة التأثیرعلی السامعین وحضهم علی الفضیلة وترک متاع الدّنیا».[25].

    «وهي الّتي تُلقی لوعظ النّاس وإرشادهم وتبصیرهم في شؤن دینهم وتوضیح عقائدهم وحثّهم علی المعروف ونهیهم عن المنکر».[26]

    لاحظنا مماسبق من تعاریف أنّ غایة الخطب الدینیّة هي ارشاد الناس الی تقوی الله وکسب رضاه ونیل سعادة الدّنیا والآخرة. من الخطب الدینیةنأتي بنموذج مقتطف من خطب سیدالخطباءالرسول الاکرم علیه افضل الصلاةوالسلام: بُعث الرسولُ الاکرم علیه أفضل الصّلاةوالسلام في الأمة العربية بمعجزة لم يأتِ بها نبيٌّ أويُبعث بها رسول، ألا وهي كتاب يتلى وبيان يقرأ ، فاق كلام البشر وقدرة الخلق وبلاغة الإنس والجن إلى يوم القيامة وصدق الله عز وجل إذ قال: « قل لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا »[27] وكان رسول الله أفصحُ النّاسِ وأبلغُهم وأخطبُهم ، وخطبُه محفوظةومدوّنة.

    قال رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلّم بعدحمدالله ثنائه :« ايها الناس انّ لکم معالِم، فانتهوا الی مَعالمکم و انَّ لکم نهايةً فانتهوا الی نهايتکم فانّ العبد بين مخافتين أجَل قد مضی لايدري ما الله فاعل فيه و أجل باقٍ لايدری ما الله قاضٍ فيه. فَلياخُذ العبد من نفسِهِ لِنَفسِهِ و من دنياه لِآخرتِهِ و من الشبيبة قبل الکبر و من الحياة قبل الممات. فوالذی نفسُ محمدٍ بيدهِ. ما بعد الموت مِن مُستَعتَب و لا بعد الدنيا من دابرٍ الاّ الجنة أو النار.»[28]

    إنَّ خطب الرسول کثیراًماتکون قصیرة العبارات کثیرةالمعاني، وفیها حثٌّ للاعمال الصالحة ونهيٌّ من ارتکاب الباطل ، فیها تبشیر وفیهاوعید، تبیشر بالجنة ووعید بجهنّم.وهي من حیث الإلقاءتکون ارتجالیّة ، تُبدأبالبسملة وحمدوثناءالباري تبارک وتعالی ، لأنَّ الخطبة التي لا تفتتح بالحمد لله تسمى« بتراء » كخطبة زيد بن أبيه بالبصرة في عصر بني أمية ، و الخطبة التي تخلو من الشهادة بعد الحمد لله ، تّسمّی «جذماء»ومما يؤكد ذكر الشهادة في خطبة الجمعة. قال رسول الله : « كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء » والجذماء هي المقطوعة.

    ومن خصائص خطب النبیّ محمّد علیه افضل الصلاةوالسلام أنّها تُفتتح بـ«ا لحمدلله ونستعین بالله، نؤمن به ونتوکل علیه ونستغفره ونتوب إلیه ونعوذبالله من شَرور أنفسنا ومن سیئات اعمالناومَن یهدِه الله فلا مُضلّ له ومن یُضلل فلا هادي له واشهدألّا إله إلا الله وحدَه لا شریک له.وبعضٌ منها تفتتح بهکذا عبارات:أُوصیکم عبادالله بتقوی الله وأحثّکم علی طاعته، أو بذکر «الله أکبر».[29] وتُختتم بذکر السلام علیکم وعلی رسول الله ورحمةااللةوبرکاته والسلام علیکم ورحمةالله وبرکاته والله اکبر ولا قوّة إلا بالله العظیم والسلام علیکم.

    وقد كانت خطبته في حجة الوداع خلاصةً عامةً، جامعةً شاملةً لمهام الدين، وأسسِ التعامل، منها: «أي يوم هذا؟ في أي شهر هذا؟ في أي بلد هذا»، وفي كلها يجيبون بأنها "أوقات وأماكن محرمة"، فيقول - صلى الله عليه وسلم : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذه»[30] انظر إلى قوة التأكيد في التحريم، ثم يوصي بالنساء خيرًا، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه من البيان والبلاغ في أعظم جمعٍ للمسلمين.

    2- الخطابة السیاسیّة:

    «هي الخطب الّتي تُلقی في شئون الدولة وسیاستها ولإظهار بعض الإمور الّتي تحتاجها أو لإطلاع الجماهیر علی مسلک الحکم وعلی الخطوط العریضة الّتي رسمها لنفسه وعلی النهج الّذي یرید أن ینتهجه والسبیل الّذي سیسلکه في إدارة البلاد وإنعاش امور العباد».[31] ویقول الحاوي:«تتناول الخطب السیاسیة الموضوعات الّتي تتعلق بتنظیم الجماعة وإقامة الحکم فیها أَ کان ذلک في المجالس النیابیّة، أم في الاجتماعات الإنتخابیّة، فضلاًعن الندوات العامة والمحافل الدولیّة».[32]

    3-الخطب العسکریةّ والجهادیّة:

    «هِي الخطب الّتي یلقیها القادة -عادةً-إلی الجندوالعساکروأغراضهامعرو فة، منتثبیت للإقدام وبعث العزیمة في النفوس وإذکاءُلحماسة الجند والدفع بهم إلی القتال بثقةٍ بالنفس وصلابةٍ وقوّة».[33] ومن الخطب العسکریة ناتی بخطبة طارق بن زیادذلک القائدالعربی الذی فتح بلادالاندلس حیث ال فیها: «ايّها الناس اين المفَرُّ، البحرُ من ورائکم و العدّو امامکم و ليس لکم والله الّا الصِّدقَ و الصبرواعلموا أنکم فی هذهٍ الجزيرة أضيعُ من الايتام فی مآدب الّلئام و قد استقبلکم عدّوکم بجيشه و أسلحتُه و أقوانُه مُوفُورةُ و انتم لا وَزَرَ لکم الّا سيوفکم و لا أقوات الا ما تستخلصُون من ايدي عُدوُّکم إن امتَّدت بکم الایام علی افتقارکم، ولم تسنجزوالکم امراً ذهب ریحکم ، وتعوّضت القلوب من رُغَبها منکم الجُرأَةَ عليکم، فادفعوا عِن أنفسکم خِذلانَ هذهٍ العاقبه من أمرکم بِمُناجَزَة هذِهِ الطّاغَية.... و اعلموا أنّی أول مُجيب الی مادعوتکم اليه. و انّی عند مُلتقی الجَمعين، حاملٌ بنفسی علی طاغية القوم لذريق فقاتله ان شاءَ الله فاحملوا معي فان هلکتُ بعده فقد کُفيتم أمرَه و لن يُعوزکم بَطَلٌ عاقل تُسندون أمورکم اليه و ان هلکت قبل وصولي اليه. فاخلفوني فی عزيمتِي هذهِ و احملوا بأنفسکم عليه و اکنفوا المُهِمَّ فی فتح هذِهِ الجزيرة بقتله فانَّهُم بعده يُخذلون.».[34]

    کمانعلم أنّ طارق بن زیاد ذلک البطل الذي فتح بلاد الاندلس ، وکان خطیباً مصعقاً مقداماً یعشق المجد وتصبو نفسه الی الفتوحات، ولم تهز عزیمته في فتح اسبانیا جیوش رودریک ملک الاسبان، ولم یتراجع بل أحرق اسطوله البحري لیقطع امل النجاة فلا نجاة الیوم إمّا النصر وإمّا الموت، فخطب خطبه الشهیرة الّتي ورد ذکرها.


    الاستنتاج:

    1-الخطابة هي احدی وسائل الدفاع عن الدعوة النبویّة ، وكان لها أعظم الأثر في الدفاع عن الإسلام، وفي الدعوة إليه ولولاها لما وصل الینا الاسلام.

    2 - إن قوة الخطابة مدعاةٌ للإقناع والاستمالة، ومن ثم الاستجابة للدعوةالنبویّة.

    3- وكذلك كان لها الحظ الأوفى في قتال الأعداء؛ كما روي ابن إسحاق في غزوة بدرٍ: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحرَّضهم على القتال، وقال: «والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلاً غير مدبر؛ إلاَّ أدخله الله الجنة»، فكان لكلماته - صلى الله عليه وسلم - أقوى تأثير على نفوسهم، جعل أحد المقاتلين - عمير بن الحمام - يستعجل الموت، ويستطيل الحياة، فيقول: «بخ، بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلاَّ أن يقتلني هؤلاء، وكان بيده تمرات يأكلهن، فقذف بهن وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل»[35]، وبهذه الروح اندفع المؤمنون إلى قتال العدو ونصرهم الله تعالى، وهكذا كان في عهد الخلفاء والفتوحات الإسلامية، كانت الخطابة تسبق القتال، وكذلك في السلم؛ فقد عُنِي بها كل العناية حتى أصبحت جزءًا من العبادة، فنصبت لها المنابر في المساجد، وجعلت في مقدمة الجُمَع والأعياد، واختص بها أفاضل الناس وأئمتهم في مهام الأمور، للأمر والنهي، والتوجيه والبيان.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •